[1/97] فصل
قال البخاري :
12 - باب
من الدين الفرار من الفتن
19 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن " .


بوب البخاري على أن الفرار من الفتن من الدين ، وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن ، لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام ، والإسلام هو الدين .
وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه هنا الحديث الذي خرجه في أول " الجهاد " من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله ، أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " . قالوا : ثم من ؟ قال : " مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ، ويدع الناس من شره " .
وليس في هذا الحديث ذكر الفتن .
[1/98] وخرجه أبو داود ، وعنده : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ فذكره .
وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان .
وفي " المسند " و" جامع الترمذي " ، عن طاوس ، عن أم مالك البهزية قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير الناس في الفتنة : رجل معتزل في ماله يعبد ربه ويؤدي حقه ، ورجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله " .
وروي عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
خرجه الحاكم .
وروي عن طاوس مرسلا .
وخرج الحاكم أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم ، أنجى الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها ، ورجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه " .
وقد وقفه بعضهم .
فهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة .
وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم .
وقد روي عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد .
[1/99] وهو وهم
.
وروي عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن نهار العبدي ، عن أبي سعيد . وذكر " نهار " في إسناده وهم ، قاله الدارقطني .
فقوله صلى الله عليه وسلم : " يوشك " - تقريب منه للفتنة ، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به صلى الله عليه وسلم . وهذا من جملة أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم .
وإنما كان الغنم خير مال المسلم حينئذ ؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ، ويشرب من ألبانها ، ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره ، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه . وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم ؛ ولهذا قال : " يتبع بها شعف الجبال " وهي رءوسها وأعاليها ؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو ، " ومواقع القطر " ؛ لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلإ .
وفي " مسند البزار " عن مخول البهزي ، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " سيأتي على الناس زمان خير المال فيه غنم بين المسجدين ، تأكل من الشجر وترد الماء ، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ، ويلبس من أشعارها - [1/100] أو قال : من أصوافها - والفتن ترتكس بين جراثيم العرب " .
وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله .
وواحد الجراثيم جرثومة ، وهي أصل الشيء .
وفي هذا دلالة على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد ، وما يقتات منه .
وقوله : " يفر بدينه من الفتن " - يعني : يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن ؛ فإن من خالط الفتن وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم ؛ إما بقتل معصوم ، أو أخذ مال معصوم ، أو المساعدة على ذلك بقول ونحوه . وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه .
وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه ، فقال حكاية عن أصحاب الكهف : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
وروى عروة عن كرز الخزاعي قال : سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعرابي : هل لهذا الإسلام من منتهى ؟ قال : " من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه " . قال : ثم ماذا ؟ قال : " تقع فتن كالظلل " . قال : كلا يا نبي الله ! قال : " بلى ، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، وخير الناس يومئذ رجل يتقي ربه ، ويدع الناس من شره " .
الأساود : جمع أسود ، وهو أخبث الحيات وأعظمها .
[1/101] والصب : جمع صبوب ، على أن أصله صبب كرسول ورسل ، ثم خفف كرسل ؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ . ويروى " صبى " على وزن حبلى .
وفي " الصحيحين " عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر له الفتن ، فقال له : فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك ؟ قال : " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " . قال : فإن لم يكن جماعة ولا إمام ؟ قال : " فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " .
وقد اعتزل جماعة من الصحابة في الفتن في البوادي .
وقال الإمام أحمد : إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء ، فأما إذا لم تكن فتنة فالأمصار خير .
فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه ، كما في الترمذي و" صحيح الحاكم " ، عن أبي هريرة قال : مر رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشعب فيه عيينة من ماء عذب ، فأعجبه طيبه وحسنه ، فقال : لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ، ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فاستأمره ، فقال : " لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما " .
وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ؛ ولكني بعثت بالحنيفية [1/102] السمحة " . وذكر باقيه بمعناه .
وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ، ائذن لي بالسياحة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " .
وفي " المسند " عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " عليك بالجهاد ؛ فإنه رهبانية الإسلام " .
وفي مراسيل طاوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة " .
وفي المعنى مراسيل أخر متعددة .
قال الإمام أحمد : ليست السياحة من الإسلام في شيء ، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين .
والسياحة على هذا الوجه قد فعلها طوائف ممن ينسب إلى عبادة واجتهاد بغير علم ، ومنهم من رجع لما عرف ذلك .
وقد كان في زمن ابن مسعود جماعة من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة ، وبنوا مسجدا يتعبدون فيه ، منهم : عمرو بن عتبة ، ومفضل العجلي . فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم ، وقال : إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد ، أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة .
وإسناد هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك .

وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة ، يأتيه رزقه ، لا يدري [1/103] من أين يأتيه ، فقال له : إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا ؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة ، وعيادة المرضى ، وتشييع الجنائز . فقبل منه ، وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله .
خرج حكايته ابن أبي الدنيا .
وروي نحو هذه الحكاية أيضا عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي .
خرجها حميد بن زنجويه .
وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال كما جرى لثعلبة في ماله فمذموم أيضا .
وفي " سنن ابن ماجه " ، عن أبي هريرة مرفوعا : " ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين ، فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ، ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها ، وتجيء الجمعة فلا يشهدها حتى يطبع على قلبه " .
وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه أيضا .
وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعة : ثنا عمر مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول : قال حارثة بن النعمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ، ويئوب إلى أهله حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلأ من هذه ! فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا [1/104] أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كلأ من هذه ، فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه " .
وخرجه الإمام أحمد بمعناه .
وفي " سنن أبي داود " والترمذي وغيرهما ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من سكن البادية جفا " .
وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته : إنه ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي " الصحيحين " أن سلمة بن الأكوع قال : أذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البدو .
وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربذة ، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال ترك المدينة .
وفي " المسند " أن سلمة قدم المدينة ، فقيل له : ارتددت عن هجرتك يا سلمة ؟ فقال : معاذ الله ! إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " ابدوا يا أسلم ، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب ! " فقالوا : يا رسول الله ، إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا ، قال : " أنتم مهاجرون حيث ما كنتم " .
[1/105] وفي الطبراني ، عن ابن عمر أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمن ، قد أعشبت القفار فلو ابتعت أعنزا فتنزهت تصح ! فقال : لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم " .
وأسلم هي قبيلة سلمة بن الأكوع .
وقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية ، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ؛ فإنهما لزما منزلهما بالعقيق ، فلم يكونا يأتيان المدينة في جمعة ولا غيرها حتى لحقا بالله عز وجل .
خرجه ابن أبي الدنيا في كتاب " العزلة " .
وكان أبو هريرة ينزل بالشجرة وهي ذو الحليفة .
وفي " صحيح البخاري " ، عن عطاء قال : ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير ، فقالت لنا : انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - مكة .
وفي رواية له : قال : فسألناها عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ، ولكن جهاد ونية " .
وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ؛ لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح .
وكان أنس بن مالك يسكن بقصره بالزاوية خارج البصرة ، وكان ربما شهد الجمعة ، وربما لم يشهدها .
[1/106] وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة .
وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه ، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه .
وفي كلامه إيماء إليه أيضا .
وقد يحمل كلامه على كراهة التنزيه دون التحريم .
فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه .
وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة : أين ينزل ؟ فقال : بقرية دون حمص ، فقال له : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان " فعليك بالجماعة ؛ فإن الذئب يأكل القاصية .
خرجه النسائي وغيره .
وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا .
وفي رواية لأحمد " فعليك بالمدائن ، ويحك يا معدان " .
وفي " المسند " أيضا عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية والناحية ؛ فإياكم والشعاب ، وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد " .
[1/107] فنهى عن سكنى الشعاب وهي البوادي ، وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم .
وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم .
خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده .
وفي هذا بعد ، وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه .
فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة .
فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه فقد ورد فيه رخصة ، ففي " سنن أبي داود " عن المقدام بن شريح ، عن أبيه ، أنه سأل عائشة : هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبدو ؟ فقالت : نعم إلى هذه التلاع ، ولقد بدا مرة فأتى بناقة محرمة ، فقال : " اركبيها يا عائشة وارفقي ؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ، ولا نزع منه إلا شانه " .
[1/108] وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله .
وورد النهي عنه ، ففي " المسند " عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " هلاك أمتي في اللبن " ، قيل : يا رسول الله ، ما اللبن ؟ قال : تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع ، وتبدون " .
وفي إسناده : ابن لهيعة .
وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها ، وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات .

وعن أبي عبد الله الجدلي قال : فضل أهل الأمصار على أهل القرى كفضل الرجال على النساء ، وفضل أهل القرى على أهل الكفور كفضل الأحياء على الأموات ، وسكان الكفور كسكان القبور ، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب .
خرجه حميد بن زنجويه ، وروى بإسناده عن مكحول معنى أوله .
ونص أحمد - في رواية مهنا - على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنزها لما به من ترك الجماعة ، إلا أن يخرج لعلة . يعني أنه إذا خرج تداويا لعلة به جاز ، كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم – للعرنيين لما [1/109] اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ؛ ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها .
قال أبو بكر الأثرم : النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية والإقامة بها ، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز . انتهى .
وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن .
قال الجريري : كان الناس يبدون هاهنا في الثمار ثمار البصرة ، وذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره .
وكان علقمة يتبدى إلى ظهر النجف .
وقال النخعي : كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية . يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي .
وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة .
فروى أبو نعيم بإسناده ، عن أبي حرملة قال : اشتكى سعيد بن المسيب عينه ، فقيل له : يا أبا محمد ، لو خرجت إلى العقيق ، فنظرت إلى الخضرة ، ووجدت ريح البرية - لنفع ذلك بصرك ! فقال سعيد : وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة ؟
وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن ، لكنه حد القليل باليوم ونحوه ، وفيه نظر .
وفي " مراسيل أبي داود " من رواية معمر ، عن موسى بن شيبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية " .
[1/110] وروى حميد بن زنجويه بإسناده ، عن خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم قال : بلغني أن من نزل السواد أربعين ليلة كتب عليه الجفاء .
وعن معاوية بن قرة قال : البداوة شهران فما زاد فهو تعرب .