|
باب الوكالة في الوقف ونفقته ، وأن يطعم صديقا له ويأكل بالمعروف
أي هذا باب في بيان حكم الوكالة في الوقف . قوله : " ونفقته " ، أي : نفقة الوكيل يدل عليه لفظ الوكالة . قوله : " وأن يطعم " كلمة أن مصدرية ، تقديره : وإطعام الوكيل صديقه من مال الوقف الذي هو وكيل فيه . قوله : " ويأكل " ، أي : الوكيل بالمعروف ، يعني : بما يتعارفه الوكلاء فيه وذلك لأنه حبس نفسه لتصرف موكله والقيام بأمره قياسا على ولي اليتيم ، قال الله تعالى فيه [12/150] وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فهذا مباح عند الحاجة والوقف كذلك ، وليس هذا مثل من اؤتمن على مال غيره لغير الصدقة ، فأعطى منه فقيرا بغير إذن ربه ، فإنه لا يجوز له ذلك بالإجماع . 12 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو قال في صدقة عمر رضي الله عنه : ليس على الولي جناح أن يأكل ويؤكل صديقا غير متأثل ، فكان ابن عمر هو يلي صدقة عمر ، يهدي للناس من أهل مكة كان ينزل عليهم .
مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الترجمة تتضمن أربعة أشياء ، والحديث يشملها ، وسفيان هو ابن عيينة المكي ، وعمرو هو ابن دينار المكي . قوله " قال في صدقة عمر " إلى آخره ، قال الكرماني رحمه الله : صدقة بالتنوين ، وعمر فاعل هذا على سبيل الإرسال ، إذ هو لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه ، وفي بعضها صدقة عمر بالإضافة ، وفي بعضها عمرو بالواو ، فالقائل به هو ابن دينار " ، أي : قال ابن دينار في الوقف العمري ذلك . وقال بعضهم في صدقة عمر ، أي : في روايته لها عن ابن عمر ، كما جزم بذلك المزي في الأطراف . ( قلت ) : لم يذكر المزي هذا في الأطراف أصلا ، وإنما قال بعد العلامة بحرف الخاء المعجمة حديث عمرو بن دينار إلى آخره ما ذكره البخاري ، ثم قال : موقوف ، والصواب المحقق ما قاله الكرماني ، والتقدير : الذي قدره هذا القائل خلاف الأصل ، ولا ثمة داع يدعوه إلى ذلك . وقوله : " ويوضحه رواية الإسماعيلي من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر " لا يستلزم ما ذكره من التقدير المذكور بالتعسف . قوله : " ليس على الولي " ، أي : الذي يتولى أمر الوقف . قوله : " جناح " ، أي : إثم . قوله : " أن يأكل " ، أي : بأن يأكل منه . قوله : " أو يؤكل " بضم الياء وكسر الكاف ، وهو من الثلاثي المزيد فيه . قوله : " صديقا " نصب على أنه مفعول يؤكل . قوله : " له " ، أي : للولي ، وهو جملة في محل النصب ، لأنها صفة لقوله صديقا . قوله : " غير متأثل نصب على الحال من باب التفعل بالتشديد ، أي : غير جامع ، يقال : مال مؤثل ومجد مؤثل " ، أي : مجموع ذو أصل واثلة الشيء أصله ، فالمتأثل من يجمع مالا ويجعله أصلا . قوله : " مالا " منصوب به . قوله : " فكان " ، أي : ابن عمر إلى آخره ، فأشار إليه المزي أنه موقوف . وقال بعضهم : هو موصول بالإسناد المذكور . ( قلت ) : قد ذكرنا أن الكرماني صرح بأنه مرسل ، فكيف يكون المعطوف على المرسل موصولا . قوله : " يهدي " بضم الياء من الإهداء . قوله : " للناس " ويروى لناس بدون الألف واللام . قوله : " كان " ، أي : ابن عمر " ينزل عليهم " ، أي : على الناس ، وهذه الجملة حال ، بتقدير " قد " كما في قوله : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ أي : قد حصرت . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز أكل الولي على الوقف وإيكاله غيره بالمعروف ، وقد أخذ هذا من قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وهذا في مال اليتيم ، وفي مال الوقف أهون من ذلك . وقال المهلب : هذا مباح عند الحاجة ، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه الولي ويؤكل ؛ لأن الحبس لهذا حبس . وقال ابن التين : فيه أن الناس في أوقافهم على شروطهم ، وأهداه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان على وجهين : أحدهما للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقا له ، والآخر أنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامهم ، فكأنه هو أكله . وفيه : الاستضافة ومكافأة الضيف ، وسيأتي الكلام في هذا الباب مستقصى في كتاب الوقف إن شاء الله تعالى .
|