باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى

أي هذا باب في بيان قول من قال إلى آخره ، قوله " يروى " بفتح الواو من الري ، وقال ابن بطال : لا خلاف بين العلماء أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى .
" لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يمنع فضل الماء " .

هذا تعليل للترجمة ، ووجهه أن منع فضل الماء إنما يتوجه إذا فضل عن حاجة صاحبه ، فهذا يدل على أنه أحق بمائه عند عدم الفضل ، والمراد من حاجة صاحبه حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته ، وهذا في غير الماء المحرز في الإناء ، فإن المحرز فيه لا يجب بذل فضله إلا للمضطر وهو الصحيح ، ثم قوله : لا يمنع على صيغة المجهول وبالرفع لأنه نفي بمعنى النهي ، وذكر عياض أنه في رواية أبي ذر بالجزم بلفظ النهي ، وهذا التعليق وصله البخاري عقيبه كما يجيء الآن .
3 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ .

مطابقته للترجمة من حيث إن منع فضل الماء يدل على أن صاحب الماء أحق به عند عدم الفضل ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز .
والحديث أخرجه البخاري في ترك الحيل عن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه النسائي في إحياء الموات عن محمد بن سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم ، أربعتهم عن مالك به ، وأخرجه أبو داود من رواية جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ البخاري ، وكذلك الترمذي من حديث قتيبة عن الليث عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ، وأخرجه ابن ماجه من رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ : لا يمنع أحدكم فضل الماء يمنع به الكلأ ، وفي لفظ بهذا الإسناد : ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار ، وأخرج ابن ماجه أيضا من رواية حارث عن عمرة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نفع البئر .
وأخرج أحمد في مسنده : حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من منع فضل مائه أو فضل كلائه منعه الله عز وجل فضله ، وأخرج أبو يعلى في مسنده من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من منع فضل مائه منعه الله فضله يوم القيامة ، وروى ابن مردويه في تفسيره من رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تمنعوا عباد الله فضل الماء ولا كلأ ولا نارا ، فإن الله جعلها متاعا للمقوين وقوة للمستضعفين .
( ذكر معناه ) قوله " لا يمنع " على صيغة المجهول ، قوله " ليمنع به " اللام هذه وإن كان النحاة يقولون إنها لام كي [12/194] فهي لبيان العاقبة والمآل كما في قوله تعالى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا قوله " الكلأ " بفتح الكاف واللام وبالهمزة العشب سواء كان يابسا أو رطبا ، وفي المحكم : هو اسم للنوع ولا واحد له ، ومعنى هذا الكلام ما قاله الخطابي : هذا في الرجل يحفر البئر في الموات فيملكها بالإحياء وبقرب البئر موات فيه كلأ ترعاه الماشية ولا يكون لهم مقام إذا منعوا الماء ، فأمر صاحب الماء أن لا يمنع الماشية فضل مائة لئلا يكون مانعا للكلأ ، قلت : توضيح ذلك الذي عليه الجمهور أن يكون حول بئر رجل كلأ ليس عنده ماء غيره ، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا مكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرروا بالعطش بعد الرعي ، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي ، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية ، ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب لأنهم إذا منعوا منه امتنعوا من الرعي هناك ، وقال ابن بزيزة : منع الماء بعد الري من الكبائر . ذكره يحيى في خراجه .