باب لا حمى إلا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم

أي هذا باب في بيان حكم قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم " لا حمى إلا لله ولرسوله " وعقد هذه الترجمة بلفظ حديث الباب من غير زيادة عليه ، والحمى بكسر الحاء وفتح الميم بلا تنوين مقصور ، وفي المغرب : الحمى موضع الكلأ يحمى من الناس [12/213] ولا يرعى ولا يقرب ، وفي الصحاح : حميته حماية أي دفعت عنه ، وهذا شيء حمى على فعل أي محظور لا يقرب ، قلت : دل هذا أن لفظ حمى اسم غير مصدر وهو على وزن فعل بكسر الفاء بمعنى مفعول أي محمي محظور هذا معناه اللغوي ، ومعناه الاصطلاحي ما يحمي الإمام من الموات لمواش يعينها ويمنع سائر الناس من الرعي فيها ، وقال ابن الأثير : قيل : كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضا في حيه استعوى كلبا فحمى مدى عواء الكلب لا يشرك فيه غيره ، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وأضاف الحمى إلى الله ورسوله إلا ما يحمى للخيل التي ترصد للجهاد والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله وإبل الزكاة وغيرها ، كما حمى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه النقيع بالنون لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله ، قيل : فيه نظر من حيث إن الملوك والأشراف كانوا يحمون بما شاؤوا فلم يحك أحد أنهم كانوا يحمون بالكلب إلا ما نقل عن وائل بن ربيعة التغلبي ، فغلبت عليه اسم كليب لأنه حمى الحمى بعواء كلب كان يقطع يديه ويدعه وسط مكان يريده فأي موضع بلغ عواؤه لا يقربه أحد ، وبسببه كانت حرب البسوس المشهورة ، وقال ابن بطال : أصل الحمى المنع يعني لا مانع لما لا مالك له من الناس من أرض أو كلأ إلا الله ورسوله ، قال : وذكر ابن وهب أن النقيع الذي حماه سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدره ميل في ثمانية أميال ، والنقيع بالنون المفتوحة والقاف المكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره عين مهملة على عشرين فرسخا من المدينة ، وقيل : على عشرين ميلا ومساحته بريد في بريد ، قال ياقوت : وهو غير نقيع الخضمات الذي كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حماه ، وعكس ذلك أبو عبيد البكري ، وزعم الخطابي أن من الناس من يقوله بالباء الموحدة وهو تصحيف ، والأصل في النقيع أنه كل موضع يستنقع فيه الماء ، وزعم ابن الجوزي أن بعضهم ذهب إلى أنهما واحد والأول أصح .
18 - حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الصعب بن جثامة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا حمى إلا لله ولرسوله .

الحديث عين الترجمة فلا مطابقة أقوى من هذا ، ورجاله سبعة ، كلهم قد ذكروا ويونس بن يزيد الأيلي والصعب ضد السهل ابن جثامة بفتح الميم وتشديد الثاء المثلثة الليثي مر في جزاء الصيد ، ورواية الليث عن يونس من الأقران لأن الليث قد سمع من شيخه ابن شهاب أيضا ، وفي هذا الإسناد تابعيان ابن شهاب وعبيد الله ، وصحابيان عبد الله بن عباس والصعب بن جثامة .
وهذا الحديث من أفراده ، ووقع في الإلمام للشيخ تقي الدين القشيري أنه من المتفق عليه وهو وهم بل ربما يكون من الناسخ ، وأخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن علي بن عبد الله عن سفيان ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن ابن السرح عن ابن وهب عن يونس به ، وأخرجه النسائي في الحمى ، وفي السير عن أبي كريب عن ابن إدريس عن مالك عن ابن شهاب .
قوله " لا حمى إلا لله ولرسوله " أي لا حمى لأحد يخص نفسه يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورد ذلك عنه من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة المسلمين ، كما فعل الصديق والفاروق وعثمان لما احتاجوا إلى ذلك ، وعاب رجل من العرب عمر رضي الله تعالى عنه ، فقال : بلاد الله حميت لمال الله ، وأنكر أيضا على عثمان أنه زاد في الحمى وليس لأحد أن ينكر ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم قد تقدم إليه ولخلفائه الاقتداء به والاهتداء ، وإنما يحمي الإمام ما ليس بملك لأحد مثل بطون الأودية والجبال والموات وإن كان ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم في حماية الإمام أكثر ، وقال ابن التين معنى الحديث لا حمى إلا على ما أذن الله لرسوله أن يحميه لا ما كان يحميه العرب في الجاهلية ، قيل : الأرجح عند الشافعية أن الحمى مختص بالخليفة ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم ، وقال بعضهم : استدل به الطحاوي لمذهبه في اشتراط إذن الإمام في إحياء الموات ، وتعقب بالفرق بينهما فإن الحمى أخص من الإحياء انتهى ، قلت : حصر الحمى لله ولرسوله يدل على أن حكم الأراضي إلى الإمام والموات من الأراضي ، ودعوى أخصية الحمى من الإحياء [12/214] ممنوعة لأن كلا منهما لا يكون إلا فيما لا مالك له فيستويان في هذا المعنى .