باب أداء الديون

أي هذا باب في بيان وجوب أداء الديون ، قوله " الديون " بلفظ الجمع هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره باب أداء الدين بالإفراد .
وقال الله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا

ساق الأصيلي وغيره الآية كلها ، وأبو ذر اقتصر على قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، وأكثرهم على أنها نزلت في شأن عثمان بن طلحة الحجبي العبدري سادن الكعبة حين أخذ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه مفتاح الكعبة يوم الفتح ، ذكره ابن سعد وغيره ، وقال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب : إنها نزلت في الأمراء يعني الحكام بين الناس ، وفي الحديث : إن الله تعالى مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله الله إلى نفسه ، وقيل : نزلت في السلطان يعظ النساء ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا قال : يدخل فيه وعظ السلطان النساء يوم العيد ، وقال شريح رحمه الله لأحد الخصمين : أعط حقه ، فإن الله تعالى قال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا قال شريح : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ إنما هذا في الربا خاصة ، وربط المديان إلى سارية ، ومذهب الفقهاء أن الآية عامة في الربا وغيره ، وقال ابن عباس : الآية عامة ، قالوا : هذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والكفارات والنذور والصيام وغير ذلك ، فهو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد ، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها مما يأتمنون فيه بعضهم على بعض ، فأمر الله تعالى بأدائها ، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء ، ثم إن البخاري أدخل الدين في الأمانة لثبوت الأمر بأدائه لأن الأمانة فسرت في الآية بالأوامر والنواهي ، فيدخل فيها جميع ما يتعلق بالذمة وما لا يتعلق ، قوله أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي بأن تحكموا بالعدل ، قوله إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ قال الزمخشري : " نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ " إما أن تكون منصوبة موصوفة بــ " يعظكم به " وإما أن تكون مرفوعة موصولة كأنه قيل : نعم شيئا يعظكم به أو نعم الشيء الذي يعظكم به ، والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم ما يعظكم به ذاك ، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم ، وقرئ " نعما " بفتح النون ، قوله إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا هما من أوصاف الذات والسمع إدراك المسموعات حال حدوثها والبصر إدراك المبصرات حال وجودها ، وقيل : إنهما في حقه تعالى صفتان تكشف بهما المسموعات والمبصرات انكشافا تاما ولا يحتاج فيهما إلى آلة لأن صفاته مخالفة لصفات المخلوقين بالذات فافهم .
[12/228] 4 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو شهاب ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أبصر يعني أحدا ، قال : ما أحب أنه تحول لي ذهبا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث إلا دينارا أرصده لدين ، ثم قال : إن الأكثرين هم الأقلون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ، وأشار أبو شهاب بين يديه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ، وقال : مكانك ، وتقدم غير بعيد ، فسمعت صوتا فأردت أن آتيه ، ثم ذكرت قوله مكانك حتى آتيك ، فلما جاء ، قلت : يا رسول الله الذي سمعت أو قال الصوت الذي سمعت ، قال : وهل سمعت ؟ قلت : نعم ، قال : أتاني جبريل عليه السلام ، فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : وإن فعل كذا وكذا ؟ قال : نعم .

مطابقته للترجمة من حيث إن فيه ما يدل على الاهتمام بأداء الدين ، وهو قوله " إلا دينارا أرصده لدين " ، وفيه ما يدل على شدة أمر الدين والمديون إذا نوى أداءه يرزقه الله تعالى ما يؤديه منه .
ذكر رجاله وهم خمسة : الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله أبو عبد الله التميمي اليربوعي ، الثاني : أبو شهاب واسمه عبد ربه الحناط بالحاء المهملة والنون المشهور بالأصغر ، الثالث : سليمان الأعمش ، الرابع : زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الجهني ، الخامس : أبو ذر واسمه جندب بن جنادة في الأشهر .
ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه مذكور باسم جده وأنه والأعمش وزيد بن وهب كوفيون وأن أبا شهاب مدائني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه راو مذكور بكنيته وآخر بلقبه .
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاستئذان عن عمر بن حفص وفي الرقاق عن حسن بن الربيع ، وفيه عن قتيبة ، وفي بدء الخلق عن محمد بن بشار ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة به وعن يحيى بن يحيى ومحمد بن عبد الله وأبي بكر وأبي كريب ، وأخرجه الترمذي في الإيمان عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن عبدة بن عبد الرحيم وعن بشر بن خالد وعن يعقوب بن إبراهيم ، وعن الحسين بن منصور وعن عمران بن بطال وعن أبي قدامة عن معاذ بن هشام .
( ذكر معناه ) قوله " أنه " أي أن أحدا ، قوله " تحول " بفتح التاء المثناة من فوق على وزن تفعل في رواية أبي ذر هكذا ، وفي رواية غيره بضم التاء آخر الحروف على صيغة المجهول من باب التفعيل ، ومعنى " تحول " صار فيستدعي اسما مرفوعا وخبرا منصوبا فالاسم هو الضمير في " تحول " الذي يرجع إلى أحدا ، والخبر هو قوله " ذهبا " ، قوله " يمكث " فعل وفاعله هو قوله " دينار " أي دينار واحد ، وهو جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله " ذهبا " ، قوله " منه " أي من الذهب ، قوله " فوق ثلاث " أي فوق ثلاث ليال وهي ظرف والعامل فيه يمكث ، قوله " إلا دينارا " مستثنى مما قبله ، قوله " أرصده " جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله دينارا ، و" أرصده " بضم الهمزة من الإرصاد ، يقال : أرصدته أي هيأته وأعددته .
وحكى ابن التين أنه روى " أرصده " بفتح الهمزة من قولك رصدته أي رقبته ، وقال ابن قرقول : قوله " إلا دينارا أرصده " أي أعده بضم الهمزة وفتحها ثلاثي ورباعي ، يقال : أرصدته ورصدته أرصده بالخير والشر أعددته له ، وقيل : رصدته ترقبته وأرصدته أعددته ، قال الله تعالى : وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وقال تعالى : شِهَابًا رَصَدًا ومنه من يرصد لي عير قريش والرصد الطلب ، قوله " إن الأكثرين هم الأقلون " أي إن الأكثرين مالا هم الأقلون ثوابا ، قوله " إلا من قال بالمال هكذا وهكذا " معناه إلا من صرف المال على الناس يمينا وشمالا وأماما ، و" قال " هنا ليس من القول بمعنى الكلام بل معناه صرف أو فرق أو أعطى ونحو [12/229] ذلك لأن العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان ، فتقول : قال بيده أي أخذه ، وقال برجله أي مشى ، وقال الشاعر :
وقالت له العينان سمعا وطاعة
أي أومأت ، وقال بالماء على يده أي قلب ، وقال بثوبه أي رفعه ، وكل ذلك على المجاز والاتساع كما روي في حديث السهو ، قال : ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا : صدق ، روي أنهم أومأوا برؤوسهم أي نعم ولم يتكلموا ، ويقال : قال بمعنى أقبل وبمعنى مال واستراح وضرب وغلب وغير ذلك ، قوله " وأشار أبو شهاب " هو عبد ربه الراوي المذكور في سند الحديث ، قوله " وقليل ما هم " جملة اسمية لأن قوله " هم " مبتدأ ، وقوله " قليل " مقدما خبره ، وكلمة " ما " زائدة أو صفة ، قوله " مكانك " بالنصب أي الزم مكانك ، قوله " الذي سمعت " خبر مبتدأ محذوف تقديره ما هو الذي سمعت ، قوله " أو قال " شك من الراوي أي ما هو الصوت الذي سمعت ، قوله " هل سمعت ؟ " استفهام على سبيل الاستخبار ، قوله " وإن فعل كذا وكذا " أي وإن زنى وسرق ونحوهما ، والرواية التي في الرقاق تفسر هذا وهي قوله وإن زنى وسرق ، ووقع في رواية المستملي : ومن فعل كذا وكذا عوض ، وإن الشرطية .
ومما يستفاد من الحديث الاهتمام بأمر الدين وتهيئته لأدائه وصرف المال إلى وجوه القربات عند القدرة عليه والخوف من استغراق الدين لأن المديون إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ، والاحتراز من المطل عند القدرة لأنه في معنى الخيانة في الأمانة ، وقد جاء في خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق من حديث زاذان عن عبد الله بن مسعود ، قال : إن القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة ، قال : وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها ، فيقال له يوم القيامة : أد أمانتك ، فيقول : من أين وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال : نحن نريكها ، فيمثل له في قعر جهنم ، فيقال له : انزل فأخرجها ، فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت فهوت وهوى في إثرها أبدا ، وفيه ما يدل على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم .