|
[12/230] باب استقراض الإبل .
أي هذا باب في بيان جواز استقراض الإبل ، وهذه الترجمة على ما ذهب إليه من جواز استقراض الحيوان ، وهو مذهب الأوزاعي والليث بن سعد أيضا ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز استقراض الحيوان ، واحتج المجوزون بحديث الباب ، وقد مر الكلام فيه في الوكالة . 6 - حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، أخبرنا سلمة بن كهيل ، قال : سمعت أبا سلمة ببيتنا يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له ، فهم أصحابه ، فقال : دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا ، فأعطوه إياه ، وقالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال : اشتروه فأعطوه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء .
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه دفع الحيوان عوض الحيوان ، فإن قلت : ظاهر الحديث لا يدل على أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اقترض من الرجل سنا ، ولم يبين في هذا بصورة القرض صريحا حتى يقال : إنه يدل على جواز استقراض الحيوان ، ولهذا جاء في رواية مسلم في هذا الحديث : قال أبو هريرة : كان لرجل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حق فأغلظ له الحديث ، والحق أعم من القرض ، وكذلك في رواية الطحاوي في هذا الحديث : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم دين فتقاضاه . . الحديث ، والدين يشمل القرض وغيره ، قلت : صرح في رواية الترمذي فيه ، فقال أبو هريرة : استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سنا ، فأعطاه سنا خيرا من سنه . وجاء في رواية لمسلم من حديث أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا . . الحديث ، وفي رواية النسائي : عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سن من الإبل . . الحديث ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، فدل أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اقترض بعيرا ثم أعطى عوضه بعيرا أحسن منه ، فدل على جواز الاستقراض في الحيوان ، وقد أجاب المانعون من استقراض الحيوان بما ذكرناه فيما مضى في وكالة الشاهد والغائب جائزة ذكره في الوكالة ، فإنه أخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن سفيان ، عن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : كان رجل . . الحديث ، وهنا أخرجه عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن شعبة بن الحجاج إلى آخره ، ومضى الكلام فيه مستوفى هناك . قوله " بينا يحدث " قد ذكرنا غير مرة أن بينا وبينما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة يضافان إلى جملة ، ورأيت في نسخة صحيحة مقروءة : سمعت أبا سلمة بمنى يحدث وعلى هامشها سمعت أبا سلمة ببيتنا يحدث ، ولم ألتزم صحة هذين والله أعلم ، قوله " تقاضى " أي طلب قضاء الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله " فأغلظ له " يحتمل إغلاظه في طلب حقه وتشدده فيه لا في كلام مؤذ يسمعه إياه فإن ذلك كفر ممن فعله مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد يكون القائل بهذا غير مسلم من اليهود كما جاء مفسرا منهم في غير هذا الحديث ، لكن جاء في رواية عبد الرزاق أنه كان أعرابيا فكأنه جرى على عادته من جفائه وغلظه في الطلب ، قوله " فهم به أصحابه " أي عزموا أن يوقعوا به فعلا ، قوله " دعوه " أي اتركوه وهو أمر من يدع ، قوله " اشتروا له بعيرا " وفي رواية عبد الرزاق : التمسوا له مثل سن بعيره ، قوله " من سنه " السن هي المعروفة ثم سمى بها صاحبها ، فإن قلت : في حديث مسلم عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره فرجع إليه أبو رافع ، فقال : لم أجد فيها إلا جملا خيارا رباعيا ، فقال : أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء . . انتهى ، فكيف الجمع بين الروايتين ؟ قلت : أمر بالشراء أولا ، ثم قدمت إبل الصدقة فأعطاه منها أو أمره بالشراء من إبل الصدقة ممن استحق منها شيئا ، ويؤيده رواية ابن خزيمة : استسلف من رجل بكرا ، فقال : إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك ، قوله " فإن خيركم " أي أخيركم ، فالخير والشر يستعملان للتفضيل على لفظهما بمعنى الأخير والأشر ، والله أعلم .
|