باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه

أي : هذا باب في بيان حكم قصاص المظلوم الذي أخذ منه المال إذا وجد ، يعني إذا ظهر بمال الذي ظلمه ، وجواب إذا محذوف تقديره : هل يأخذ منه بقدر حقه ، يعني يأخذ ، واكتفى بذكر أثر ابن سيرين عن ذكر الجواب ، واستمرت عادته على هذا الوجه ، وهي مسألة الظفر ، وفيها خلاف وتفصيل ، فقال ابن بطال : اختلف العلماء في الذي يجحد وديعة غيره ، ثم إن المودع يجد له مالا هل يأخذه عوضا من حقه ، فروى ابن القاسم ، عن مالك ، أنه لا يفعل ، وروى عنه أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله ، إذا لم يكن فيه شيء من الزيادة ، وهو قول الشافعي ، وقال النووي : من له حق على رجل وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه من غير إذنه ، وهذا مذهبنا ، ومنع من ذلك أبو حنيفة ، ومالك ، وقال ابن بطال ، وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه إذا كان على الجاحد للمال دين فليس له أن يأخذ إلا مقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء ، وعن أبي حنيفة يأخذ من الذهب الذهب ، ومن الفضة الفضة ، ومن المكيل المكيل ، ومن الموزون الموزون ، ولا يأخذ غير ذلك ، وقال زفر : له أن يأخذ العرض بالقيمة . انتهى . ( قلت ) : مذهبنا أنه إذا بخس حقه فله أن يأخذه ، وإلا فلا .
وقال ابن سيرين يقاصه وقرأ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ

أي : قال محمد بن سيرين إذا وجد مال ظالمه يقاصه بالتشديد ، وأصله يقاصصه ، أراد يأخذ مثل ماله ، وهذا التعليق وصله عبد الله بن حميد في تفسيره من طريق خالد الحذاء عنه بلفظ : إن أخذ أحد منك شيئا فخذ مثله . قوله : " وقرأ " إشارة إلى أنه احتج فيما ذهب إليه بقوله تعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ يعني لا يزيد ولا ينقص .
33 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : حدثني عروة ، أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة ، فقالت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل مسيك ، فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عيالنا ؟ فقال : لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف .

مطابقته للترجمة من حيث إذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لهند بالأخذ من مال زوجها . قال ابن بطال : فهذا يدل على جواز أخذ صاحب الحق من مال من لم يوفه أو جحده قدر حقه ، وإسناد هذا الحديث على هذا النسق بعينه قد مر غير مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وهند بنت عتبة ، بضم العين المهملة ، وسكون التاء المثناة من فوق ، ابن ربيعة أم معاوية ، أسلمت يوم الفتح ، وماتت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وزوجها أبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية والد معاوية .
قوله : " مسيك " ، بفتح الميم ، وتخفيف السين على وزن فعيل ، بفتح الفاء ، ويروى بكسر الميم ، وتشديد السين على وزن فعيل بالكسر ، والتشديد ، وهو صيغة مبالغة كسكين وخمير ، معناه بخيل شديد المسك بما في يديه . وقال عياض : في رواية كثير من أهل الإتقان بالفتح والتخفيف ، وقيده بعضهم بالوجهين ، وقال ابن الأثير في كتب الحديث : الفتح ، والتخفيف ، والمشهور عند المحدثين الكسر والتشديد . قوله : " حرج " ، أي : إثم . قوله : " أن تطعميهم " ، كلمة " أن " مصدرية ، تقديره : لا حرج عليك بإطعامك إياهم بالمعروف ، أي : بقدر ما يتعارف أن يأكل العيال ، وهذا الحديث يشتمل على أحكام ، وهي النفقة للأولاد ، وأنها مقدرة بالكفاية لا بالإمداد [13/8] وجواز سماع كلام الأجنبية ، وذكر الإنسان بما يكره عند الحاجة ، وأن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها ، وجواز خروج المرأة من بيتها لقضاء حاجتها ، وقد استدل به من يرى بجواز الحكم على الغائب . ( قلت ) : هذا استدلال فاسد من وجهين : أحدهما : أنه كان فتوى لا حكما ، والآخر أن أبا سفيان كان حاضرا في البلد .