باب من عقل بعيره على البلاط أو باب المسجد

أي : هذا باب في بيان من عقل بعيره ، يعني شد بعيره بالعقال على البلاط ، بفتح الباء الموحدة ، وهو حجارة مفروشة عند باب المسجد . قوله : " وباب المسجد " ، أي : أو على باب المسجد .
43 - حدثنا مسلم ، قال : حدثنا أبو عقيل ، قال : حدثنا أبو المتوكل الناجي ، قال : أتيت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ المسجد ، فدخلت إليه ، وعقلت الجمل في ناحية البلاط ، فقلت : هذا جملك فخرج فجعل يطيف بالجمل ، قال : الثمن ، والجمل لك .

[13/22] مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " وعقلت الجمل في ناحية البلاط " قيل : هنا نظر من وجهين : أحدهما أن المذكور في الترجمة على البلاط ، والمذكور في الحديث في ناحية البلاط ، وناحية الشيء غيره ، والآخر أن في الترجمة ، أو باب المسجد ، وليس في الحديث ذلك . ( قلت ) : يمكن الجواب عن الأول بأن يكون المراد بناحية البلاط طرفها ، وكان عقل الجمل بطرفها ، ولا يتأتى إلا بالطرف ، وعن الثاني : بأنه ألحق باب المسجد بما قبله في الحكم قياسا عليه ، وقيل : أشار به إلى ما ورد في بعض طرقه . ( قلت ) : هذا لا بأس به إن ثبت ما ادعاه من ذلك ، ومع هذا فالموضع كله موضع تأمل .
ومسلم هو ابن إبراهيم ، وأبو عقيل بالفتح هو بشير - ضد النذير - ابن عقبة ، بضم العين المهملة ، وسكون القاف الدورقي ، وأبو المتوكل هو علي الناجي بالنون ، والجيم ، وياء النسبة .
والحديث أخرجه مسلم في البيوع ، عن عقبة بن مكرم .
قوله : " فقلت " ، أي : قال جابر : فقلت : يا رسول الله ، هذا جملك ، وهو الجمل الذي اشتراه صلى الله عليه وسلم منه في السفر ، وقد مرت قصته في كتاب البيوع في باب شراء الدواب والحمير . قوله : " فخرج " ، أي : النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ من المسجد . قوله : " فجعل يطيف بالجمل " ، أي : يلم به ، ويقاربه . قوله : " قال الثمن " ، أي : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : ثمن الجمل ، والجمل لك ، يعني كلاهما لك ، وهذا يدل على غاية كرم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وأن جابرا عنده بمنزلة .
( ذكر ما يستفاد منه ) . قال ابن بطال : فيه أن رحاب المسجد مناخ للبعير . وفيه جواز إدخال الأمتعة في المسجد قياسا على البعير ، وفيه حجة لمالك ، والكوفيين في طهارة أبوال الإبل وأرواثها ، وفيه رد على الشافعي فيما قال بنجاستها . قال ابن بطال : وهذا خلاف منه لدليل الحديث ، ولو كانت نجسة كما زعم ما كان لجابر إدخال البعير في المسجد ، وحين رآه الشارع لم ينكر عليه ، ولو كانت نجسة لأمره بإخراجها من المسجد خشية ما يكون فيه من الروث والبول إذ لا يؤمن حدوث ذلك منها ، انتهى . ( قلت ) : أجاب الكرماني عن ذلك بقوله : " أقول " : لا دليل على دخول البعير في المسجد ، ولا على حدوث البول ، والروث فيه على تقدير الحدوث فقد يغسل المسجد ، وينظف منه فلا حجة لهم ، ولا رد عليه ، أي : على الشافعي . ( قلت ) : هذا ليس بشيء من الجواب ؛ لأن جابرا صرح بأنه عقل جمله في ناحية بلاط المسجد ، وهو رحاب المسجد ، وللرحاب حكم المسجد ، وقوله : ولا على حدوث البول والروث فيه لم يقل به الراد ، وإنما قال : لا يؤمن حدوثه ، فلو كان بوله وروثه نجسا لمنعه من ذلك ، وقوله : " وعلى تقدير الحدوث ... " إلى آخره جواب بطريق التسلم فليس بجواب ؛ لأنه لا يجوز السكوت عن ذلك مع العلم بنجاسته اكتفاء بالغسل والتنظيف ، وأجاب صاحب ( التوضيح ) عن ذلك بقوله : " ومذهبه جواز إدخاله فيه " ، ولا يرد عليه ما ذكره فسلم من التعسف المذكور .