|
باب الاشتراك في الهدي والبدن .
أي هذا باب في بيان حكم الاشتراك في الهدي بسكون الدال وهو ما يهدى إلى الحرم من النعم ، قوله : " والبدن " من باب عطف الخاص على العام ، وهو بضم الباء وسكون الدال جمع بدنة . وإذا أشرك الرجل الرجل في هديه بعد ما أهدى .
جواب إذا مقدر تقديره : هل يجوز ذلك ، وجواب الاستفهام يعلم من قوله صلى الله عليه وسلم : في حديث الباب وهو قوله : " وأشركه في الهدي " ، وفي بعض النسخ " وإذا أشرك الرجل رجلا " وهذا أوجه . حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا حماد بن زيد قال : أخبرنا عبد الملك بن جريج ، عن عطاء ، عن جابر ، وعن طاوس ، عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة من ذي الحجة مهلين بالحج ، لا يخلطهم شيء ، فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة ، وأن نحل إلى نسائنا ، ففشت في ذلك القالة ، قال عطاء : فقال جابر : فيروح أحدنا إلى منى ، وذكره يقطر منيا ، فقال جابر يكفه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال : بلغني أن أقواما يقولون : كذا وكذا ، والله لأنا أبر وأتقى لله منهم ، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت ، فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ، هي لنا أو للأبد ؟ فقال : لا بل للأبد ، قال : وجاء علي بن أبي طالب فقال : أحدهما يقول : لبيك بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الآخر : لبيك بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم على إحرامه ، وأشركه في الهدي .
مطابقته للترجمة في قوله : " وأشركه في الهدي " ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، وحديث جابر مضى في كتاب الحج في باب تقضي الحائض المناسك ، وبينهما اختلاف في الرواة ، وزيادة ونقصان في المتن ، ومضى أكثر الكلام في هذا هناك . قوله : " وعن طاوس " عطف على قوله : " عطاء " لأن ابن جريج سمع منهما ، قوله : " قدم النبي صلى الله عليه وسلم " أي مكة ، قوله : " صبح رابعة " أي في صبيحة ليلة رابعة ، قال الداودي : اختلف فيه وكان خروجه من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة ، قوله : " مهلين " أي محرمين ، وانتصابه على الحال وإنما جمع باعتبار أن قدوم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مستلزم لقدوم أصحابه معه ، ويروى : " محرمون " على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم محرمون ، قوله : " لا يخلطهم شيء " أي من العمرة ، ويروى : " لا يخلطه " ففي الأول الضمير يرجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه الذين معه ، وفي الثاني يرجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحده ، وقال صاحب التوضيح : وفيه دلالة واضحة على الإفراد ، ( قلت ) : لا يدل على ذلك لأن معنى لا يخلطه شيء يعني وقت الإحرام ، وكذلك معنى قول عائشة رضي الله تعالى عنها : " وأهل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالحج مفردا " أنه لم يعتمر في وقت إحرامه بالحج لكنه اعتمر بعد ذلك ، قوله : " فلما قدمنا " [13/66] أي مكة شرفها الله تعالى ، قوله : " أمرنا " أي أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : " فجعلناها عمرة " أي فجعلنا تلك الفعلة من الحج عمرة أي صرنا متمتعين ، قوله : " ففشت " أي فشاعت وانتشرت من الفشو بالفاء والشين المعجمة ، قوله : " في ذلك " أي في فعلهم العمرة بعد الحج ، قوله : " القالة " بالقاف واللام ويروى المقالة بالميم قبل القاف ، وكلاهما بمعنى واحد ، وأراد به مقالة الناس ، وذلك لما كان في اعتقادهم أن العمرة لا تصح في أشهر الحج ، وكانوا يرون العمرة فيها فجورا ، قوله : " قال عطاء " هو الراوي عن جابر ، وهو عطاء بن أبي رباح ، قوله : " وذكره يقطر منيا " هذا كناية عن قرب العهد بالوطء ، والواو فيه للحال ، قوله : " قال جابر يكفه " أراد أنه أشار به إلى التقطر أي قال جابر قوله ذلك ، والحال أنه يكفه من كف يكف أي منع ، ويروى بكفه بالباء الموحدة المكسورة دخلت على الكف الذي هو العضو المعروف ، قوله : " فبلغ ذلك " أي ما صدر منهم من القول ، قوله : " خطيبا " نصب على الحال ، قوله : " لأنا " اللام فيه مفتوحة وهي لام التوكيد دخلت على المبتدأ وخبره هو قوله : " أبر " وهو أفعل التفضيل من البر وهو الخير والإحسان ، " وأتقى " كذلك أفعل التفضيل من التقوى ، قوله : " ولو أني استقبلت من أمري " أي لو عرفت في أول الحال ما عرفت آخرا من جواز العمرة في أشهر الحج لما أهديت أي لكنت متمتعا ؛ إرادة لمخالفة أهل الجاهلية ، ولولا أني معي الهدي لأحللت من الإحرام ، ولكن امتنع الإحلال لصاحب الهدي وهو المفرد أو القارن حتى يبلغ الهدي محله ، وذلك في أيام النحر لا قبلها ، وقد احتج به من يقول : إنه صلى الله عليه وسلم كان مفردا ، وإنه أفضل ، وهذا الاحتجاج غير صحيح لأن الهدي لا يمنع المفرد من الإحلال ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتحلل ، فدل على أنه كان متمتعا ، وفي الاستذكار : لا يصح عندنا أن يكون متمتعا إلا تمتع قران لأنه لا خلاف بين العلماء أنه صلى الله عليه وسلم لم يحل من عمرته ، وأقام محرما من أجل هديه إلى النحر ، وهذا حكم القارن لا المتمتع ، قوله : " فقام سراقة " بضم السين المهملة وتخفيف الراء والقاف ابن مالك بن جعشم بضم الجيم والشين المعجمة وسكون العين المهملة بينهما ، وفي آخره ميم المدلجي من مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة ، يكنى أبا سفيان من مشاهير الصحابة ، كان ينزل قديدا ، وقيل : إنه سكن مكة ، قوله : " هي " أي العمرة في أشهر الحج أو المتعة ، قوله : " لا بل للأبد " أي ليس الأمر كما تقول بل هي إلى يوم القيامة ما دام الإسلام ، قوله : " وجاء علي بن أبي طالب " أي من اليمن ، قال ابن بطال في المغازي : للبخاري عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعث عليا إلى اليمن قبل حجة الوداع ليقبض الخمس ، فقدم من سعايته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " بما أهللت يا علي " ، قال : بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " فأهد وامكث حراما كما كنت " ، قال : فأهدى له علي هديا ، قال : فهذا تفسير قوله : " وأشركه في الهدي " أن الهدي الذي أهداه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم وجعل له ثوابه فيحتمل أن يفرده بثواب ذلك الهدي كله ، فهو شريك له في هديه لأنه أهداه عنه تطوعا من ماله ، ويحتمل أن يشركه في ثواب هدي واحد يكون بينهما كما ضحى صلى الله عليه وسلم عنه ، وعن أهل بيته بكبش ، وعمن لم يضح من أمته وأشركهم في ثوابه ، ويجوز الاشتراك في هدي التطوع ، وقال القاضي : عندي أنه لم يكن شريكا حقيقة بل أعطاه نذرا يذبحه ، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وأعطى عليا من البدن التي جاء بها من اليمن ، قوله : " فقال أحدهما " أي أحد الراويين من عطاء وطاوس ، قال بلفظ أحدهما لأن الراوي لم يكن عالما بالتعيين لكن روى عطاء عن جابر في باب : تقضي الحائض المناسك أنه قال : أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : " فأمر النبي صلى الله عليه وسلم " أي أمر عليا رضي الله تعالى عنه " أن يقيم " أي يثبت على إحرامه ، قوله : " وأشركه " أي أشرك النبي صلى الله عليه وسلم عليا في الهدي ، وقد ذكرنا وجهه الآن .
|