باب رهن السلاح

أي هذا باب في بيان حكم رهن السلاح قيل : وإنما ترجم لرهن السلاح بعد رهن الدرع لأن الدرع ليست بسلاح حقيقة ، وإنما هي آلة يتقى بها السلاح انتهى ، ( قلت ) : الدرع يتقى بها النفس ، وإن لم يكن عليه سلاح ، والمراد بالسلاح الآلة التي يدفع بها الشخص عن نفسه والدرع أعظم وأشد في هذا الباب على ما لا يخفى .
3 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فقال محمد بن مسلمة : أنا ، فأتاه ، فقال : أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين ، فقال : ارهنوني نساءكم ، قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ، قال : فارهنوني أبناءكم ، قالوا : كيف نرهن أبناءنا فيسب أحدهم ، فيقال : رهن بوسق أو وسقين ، هذا عار علينا ، ولكنا نرهنك اللأمة ، قال سفيان : يعني السلاح ، فوعده أن يأتيه ، فقتلوه ، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه .

قيل : ليس فيه ما بوب عليه لأنهم لم يقصدوا إلا الحديقة ، وإنما يؤخذ جواز رهن السلاح من الحديث الذي قبله انتهى ، ( قلت ) : ليس في لفظ الترجمة ما يدل على جواز رهن السلاح ، ولا على عدم جوازه لأنه أطلق فتكون المطابقة بينه وبين الترجمة في قوله : " ولكنا نرهنك اللأمة " أي السلاح بحسب ظاهر الكلام ، وإن لم يكن في نفس الأمر حقيقة الرهن ، وهذا المقدار كاف في وجه المطابقة .
وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، وقد تكرر ذكره ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، ومحمد بن مسلمة بفتح الميمين واللام أيضا ابن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو ، وهو النبيت بن مالك بن أوس الحارثي الأنصاري ، يكنى أبا عبد الله ، وقيل : أبو عبد الرحمن ، ويقال : أبو سعيد حليف بني عبد الأشهل [13/70] شهد بدرا ، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنه استخلفه على المدينة عام تبوك ، روى عنه جابر وآخرون اعتزل الفتنة ، وأقام بالربذة ، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين ، وقيل : سنة سبع وأربعين ، وهو ابن سبع وسبعين سنة ، وصلى عليه مروان بن الحكم ، وهو يومئذ أمير المدينة .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي ، عن علي بن عبد الله ، وفي الجهاد عن قتيبة ، وعبد الله بن محمد فرقهما ، وأخرجه مسلم في المغازي ، عن إسحاق بن إبراهيم ، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري ، وأخرجه أبو داود في الجهاد ، عن أحمد بن صالح ، وأخرجه النسائي في السير عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن .
( ذكر معناه ) قوله : " من لكعب بن الأشرف " أي من يتصدى لقتله ، وقال ابن إسحاق : كان كعب بن الأشرف من طي ، ثم أحد بني نبهان حليف بني النضر ، وكانت أمه من بني النضر واسمها عقيلة بنت أبي الحقيق ، وكان أبوه قد أصاب دما في قومه ، فأتى المدينة ، فنزلها ، ولما جرى ببدر ما جرى قال : ويحكم ، أحق هذا ، وأن محمدا قتل أشراف العرب وملوكها ، والله إن كان هذا حقا فبطن الأرض خير من ظهرها ، ثم خرج حتى قدم مكة ، فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي ، وعنده عاتكة بنت أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ، فأكرمه المطلب فجعل ينوح ، ويبكي على قتلى بدر ، ويحرض الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينشد الأشعار فمن ذلك ما حكاه الواقدي من قصيدة عينية طويلة من الوافر أولها :
طحنت رحى بدر بمهلك أهله
ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول خيامهم
لا تبعدوا أن الملوك تصرع

فأجابه حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقال :
أبكاه كعب ثم عل بعبرة
منه وعاش مجدعا لا تسمع
ولقد رأيت ببطن بدر منهم
قتلى تسح لها العيون وتدمع

إلى آخرها ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " من لكعب بن الأشرف " ، وقال الواقدي : كان كعب شاعرا يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، ويظاهر عليهم الكفار ، ولما أصاب المشركين يوم بدر ما أصابهم اشتد عليه ، قوله : " فقال محمد بن مسلمة أنا " أي أنا له أي لقتله يا رسول الله ، واختلفوا في كيفية قتله على وجهين : أحدهما ما ذكره البخاري ، ومسلم أيضا في باب قتل كعب بن الأشرف في كتاب المغازي ، وهو قوله : قال : يا رسول الله ، أتحب أن أقتله ، قال : نعم ، قال : ائذن لي أن أقول شيئا ، قال : قل إلى آخر الحديث ، ينظر هناك ، والوجه الثاني : ما ذكره محمد بن إسحاق ، وغيره لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لكعب " قال محمد بن مسلمة : أنا ، فرجع محمد بن مسلمة فأقام ثلاثا لا يأكل ، ولا يشرب ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعاه ، فقال : ما الذي منعك من الطعام والشراب ، فقال : لأني قلت قولا ولا أدري أفي به أم لا ، فقال : " إنما عليك الجهد " ، فقال : يا رسول الله ، لا بد لنا أن نقول قولا فقال : " قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك " ، وقال محمد بن إسحاق : فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة ، وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة الأشهلي ، وكان أخا لكعب من الرضاعة ، وعباد بن بشر بن وقش الأشهلي ، وأبو عبس بن حبر أخو بني حارثة ، والحارث بن أوس ، وقدموا إلى ابن الأشرف قبل أن يأتوا سلكان بن سلامة أبا نائلة ، فجاء محمد بن مسلمة إلى كعب فتحدث معه ساعة وتناشدا شعرا ثم قال : ويحك يا ابن الأشرف ، إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم علي ، قال : أفعل ، قال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ، فقال : أنا والله قد أخبرتكم أن الأمر سيصير إلى هذا ، ثم جاءه من ذكرناهم فقال له سلكان : إني أردت أن تبيعنا طعاما ، ونرهنك ونوثقك ونحسن في ذلك ، فقال : أترهنوا في أبناءكم ، قال : لقد أردت أن تفضحنا إن معى أصحابا على مثل رأيي ، وقد أردت أن آتيك بهم ، فتبيعهم ، ونحسن في ذلك ، ونرهنك من الحلقة يعني السلاح ما فيه وفاء ، فقال كعب : إن في الحلقة لوفاء ، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه ، فأخبرهم ، فأخذوا السلاح وخرجوا يمشون ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم إلى البقيع يدعو لهم ، وقال : " انطلقوا على [13/71] اسم الله وبركته " ، وكانت ليلة مقمرة ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته وساروا حتى انتهوا إلى حصنه ، فهتف به أبو نائلة ، وكان حديث عهد بعرس ، فوثب في ملحفة له ، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت : إلى أين في هذه الساعة ؟ فقال : إنه أبو نائلة لو وجدني نائما أيقظني ، فقالت : والله إني لأعرف في صوته الشر ، فقال لها كعب : لو دعي الفتى إلى طعنة ليلا لأجاب ، ثم نزل فتحدث معهم ساعة ، وتحدثوا معه ، ثم قالوا : هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ، قال : نعم إن شئتم ، فخرجوا يتماشون ، فآخر الأمر أخذ أبو نائلة بفود رأسه فقال : اضربوا عدو الله فضربوه ، فاختلفت عليه أسيافهم ، فلم تغن شيئا ، قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغولا لي في سيفي والمغول السيف الصغير ، فوضعته في ثنته وتحاملت عليه حتى بلغ عانته ، وصاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقد عليه نار ، ووقع عدو الله ، وجئنا آخر الليل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قائم يصلي فأخبرناه بقتله ، ففرح ، ودعا لنا ، وحكى الطبري عن الواقدي قال : جاؤوا برأس كعب بن الأشرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كتاب شرف المصطفى : إن الذين قتلوا كعبا حملوا رأسه في المخلاة إلى المدينة ، فقيل : إنه أول رأس حمل في الإسلام ، وقيل : بل رأس أبي عزة الجمحي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، فقتل : وحمل رأسه إلى المدينة في رمح ، وأما أول مسلم حمل رأسه في الإسلام فعمر بن الحمق وله صحبة .
فإن ( قلت ) : كيف قتلوا كعبا على وجه الغرة والخداع ( قلت ) : لما قدم مكة وحرض الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين فقد نقض العهد ، وإذا نقض العهد فقد وجب قتله بأي طريق كان ، وكذا من يجري مجراه كأبي رافع ، وغيره ، وقال المهلب : لم يكن في عهد من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بل كان ممتنعا بقومه في حصنه ، وقال المازري : نقض العهد وجاء مع أهل الحرب معينا عليهم ، ثم إن ابن مسلمة لم يؤمنه لكنه كلمه في البيع والشراء فاستأنس به فتمكن منه من غير عهد ولا أمان ، وقد قال رجل في مجلس علي رضي الله تعالى عنه : إن قتله كان غدرا فأمر بقتله فضربت عنقه لأن الغدر إنما يتصور بعد أمان صحيح ، وقد كان كعب مناقضا للعهد ، قوله : " وسقا " بفتح الواو وكسرها وهو ستون صاعا ، قوله : " أو وسقين " شك من الراوي ، قوله : " ارهنوني " فيه لغتان رهن وأرهن فالفصيحة رهن ، والقليلة أرهن فقوله : " ارهنوا " على اللغة الفصيحة بكسر الهمزة ، وعلى اللغة القليلة بفتحها ، قوله : " فيسب " على صيغة المجهول ، وكذا قوله : " رهن بوسق " ، قوله : " اللأمة " مهموزة الدرع ، وقد فسره سفيان الراوي بالسلاح ، وقال ابن الأثير : اللأمة الدرع ، وقيل : السلاح ، ولأمة الحرب أداته ، وقد ترك الهمزة تخفيفا ، وقال ابن بطال : ليس في قولهم : " نرهنك اللأمة " دلالة على جواز رهن السلاح عند الحربي ، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره ، وقال السهيلي في قوله : " من لكعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله " جواز قتل من سب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وإن كان ذا عهد خلافا لأبي حنيفة ، فإنه لا يرى بقتل الذمي في مثل هذا ، ( قلت ) : من أين يفهم من الحديث جواز قتل الذمي بالسب ؟ أقول هذا بحثا ولكن أنا معه في جواز قتل الساب مطلقا .