2 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال : حدثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة : ابن أختي ، إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار ، فقلت : يا خالة ، ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كانت لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ألبانهم ، وذلك لأنهم كانوا يهدون إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من ألبان منايحهم ، وفي الهدية معنى الهبة على معناها اللغوي .
( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بضم الهمزة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة ونسبته إليه ، الثاني : عبد العزيز بن أبي حازم ، واسمه سلمة بن دينار ، الثالث : أبوه سلمة بن دينار ، الرابع : يزيد من الزيادة ابن رومان بضم الراء أبو روح مولى آل الزبير بن العوام ، الخامس : عروة بن الزبير بن العوام ، السادس : عائشة أم المؤمنين .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده وأنه منسوب إلى أحد أجداده ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه رواية الراوي عن خالته ، وفيه ثلاثة [13/127] من التابعين على نسق واحد ، الأول : أبو حازم سلمة ، والثاني : يزيد بن رومان ، والثالث : عروة ، وفيه رواية الراوي عن أبيه ، والحديث رواه مسلم في آخر الكتاب عن يحيى بن يحيى .
( ذكر معناه ) قوله : " ابن أختي " يعني يا ابن أختي ، وحرف النداء محذوف ، وفي رواية مسلم : والله يا ابن أختي ، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق ، وهي أخت عائشة بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم ، قوله : " إن كنا " " إن " هذه مخففة من " إن " المثقلة ، فتدخل على الجملتين ، فإن دخلت على الاسمية جاز إعمالها خلافا للكوفيين ، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالها ، والأكثر أن يكون الفعل ماضيا ناسخا ، وههنا كذلك لأنها دخلت على الماضي الناسخ ، لأن كان من النواسخ واللام في " لننظر " عند سيبويه والأكثرين لام الابتداء دخلت لتوكيد النسبة وتخليص المضارع للحال ، وللفرق بين " أن " المخففة من المثقلة ، و" أن " النافية ، ولهذا صارت لازمة بعد أن كانت جائزة ، وزعم أبو علي ، وأبو الفتح ، وجماعة أنها لام غير لام الابتداء اجتلب للفرق ، قوله : " ثلاثة أهلة " بالنصب تقديره : نرى ثلاثة أهلة ونكملها في شهرين ، باعتبار رؤية الهلال في أول الشهر الأول ، ثم برؤيته في أول الشهر الثاني ، ثم برؤيته في أول الشهر الثالث فيصدق عليه ثلاثة أهلة ، ولكن المدة ستون يوما ، وفي الرقاق من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه بلفظ : كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا ، وفي رواية ابن ماجه من طريق أبي سلمة عن عائشة بلفظ : لقد كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان ، قوله : " وما أوقدت " على صيغة المجهول من الإيقاد ، قوله : " يا خالة " بضم التاء لأنه منادى مفرد ، قوله : " ما كان يعيشكم " بضم الياء من أعاشه الله تعالى عيشة ، وقال النووي : بفتح العين وكسر الياء المشددة ، قال : وفي بعض النسخ المعتمدة يعني في نسخ مسلم : فما كان يقيتكم ، من القوت صرح بذلك القونوي في مختصر شرح مسلم ، وقال بعضهم : وفي بعض النسخ " ما يغنيكم " بسكون المعجمة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة انتهى ، ( قلت ) : كأنه صحف عليه فجعله من الإغناء ، وليس هو إلا من القوت ، فعلى قوله تكون هذه رواية رابعة فتحتاج إلى البيان ، قوله : " الأسودان الماء والتمر " وهو من باب التغليب إذ الماء ليس أسود ، وأطلقت عائشة على التمر أسود لأنه غالب تمر المدينة ، وقال ابن سيده : فسر أهل اللغة الأسودين بالماء والتمر ، وعندي أنها إنما أرادت الحرة والليل ، قيل لهما : الأسودان لاسودادهما ، وذلك أن وجود التمر والماء عندهم شبع وري وخصب ، وإنما أرادت عائشة أن تبالغ في شدة الحال بأن لا يكون معها إلا الليل والحرة ، وهذا أذهب في سوء الحال من وجود التمر والماء ، وقيل : الأسودان الماء واللبن ، وضاف مرثد المدني رضي الله تعالى عنه قوم فقال لهم : ما لكم عندنا إلا الأسودان ، قالوا : إن في ذلك لمقنعا الماء والتمر ، فقال : ما ذلك أردت والله ، إنما أردت الحرة والليل ، ( قلت ) : الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء البقل الذي يؤكل غير مطبوخ ، قوله : " منائح " جمع منيحة بفتح الميم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره حاء مهملة وهي ناقة أو شاة تعطيها غيرك ليحتلبها ثم يردها عليك ، وقد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها مؤبدة مثل الهبة ، وقال الفراء : منحته منيحة وهي الناقة والشاة يعطيها الرجل لآخر يحلبها ثم يردها ، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلا ناقة ، وقال أبو عبيد : المنيحة عند العرب على وجهين أن يعطي الرجل صاحب صلة فيكون له ، وأن يمنحه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها وصوفها زمنا ، ثم يردها ، وقال إبراهيم الحربي : العرب تقول : منحتك الناقة ، وأنحلتك الوبر ، وأعريتك النخلة ، وأعمرتك الدار ، وهذه كلها هبة منافع يعود بعدها مثلها ، قوله : " يمنحون " من المنح وهو العطاء ، يقال : منحه يمنحه من باب فتحه يفتحه ، ومنحه يمنحه من باب ضربه يضربه ، والاسم المنحة بالكسر وهي العطية ، وفي الحديث زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والصبر على التقلل ، وأخذ البلغة من العيش ، وإيثار الآخرة على الدنيا ، وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى ، وفيه أن السنة مشاركة الواجد المعدم .