باب من استسقى

أي : هذا باب في بيان حكم من استسقى ماء ولبنا وغيرهما ، وجوابه محذوف تقديره ما حكمه ؟ وحكمه : يجوز له ذلك مما تطيب به نفس المطلوب منه .
[13/130] وقال سهل : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : اسقني .

سهل هو ابن سعد الأنصاري ، وهذا التعليق طرف من حديث أوله ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة من العرب فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها ... الحديث ، وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اسقنا يا سهل .
6 - حدثنا خالد بن مخلد قال : حدثنا سليمان بن بلال قال : حدثني أبو طوالة - اسمه عبد الله بن عبد الرحمن - قال : سمعت أنسا رضي الله عنه يقول : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ديارنا هذه فاستسقى ، فحلبنا له شاة لنا ، ثم شبته من ماء بئرنا هذه فأعطيته ، وأبو بكر عن يساره وعمر تجاهه ، وأعرابي عن يمينه ، فلما فرغ قال عمر : هذا أبو بكر ! فأعطى الأعرابي فضله ، ثم قال : الأيمنون الأيمنون ، ألا فيمنوا . قال أنس : فهي سنة ، فهي سنة - ثلاث مرات .

مطابقته للترجمة في قوله " فاستسقى " ، وخالد بن مخلد - بفتح الميم واللام - القطواني الكوفي مر في العلم ، وأبو طوالة - بضم الطاء المهملة وتخفيف الواو - الأنصاري قاضي المدينة وكان يسرد الصوم .
والحديث أخرجه مسلم في الأشربة عن القعنبي وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر .
قوله ( ثم شبته ) ؛ أي خلطته ، من الشوب وهو الخلط .
قوله ( من ماء ) ، وقد تقدم في كتاب الشرب " شبته بماء " ، وكلاهما صحيح لأن حرف الجر يقوم مقام أخيه .
قوله ( وأبو بكر عن يساره ) جملة وقعت حالا ، وكذلك قوله ( وعمر تجاهه ) أي مقابله ، وأصله وجاهه ؛ قلبت الواو تاء كما في التكلان أصله الوكلان .
قوله ( فأعطى الأعرابي ) ، قال ابن التين : قيل إنه خالد بن الوليد . قلت : فيه نظر .
قوله ( الأيمنون ) مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : الأيمنون مقدمون ، والأيمنون الثاني للتأكيد .
قوله ( ألا ) كلمة تنبيه وتحضيض ، وبعض المعربين يقولون كلمة استفتاح ، والأصل الأول ، فيمنوا أمر من التيمين ، وهذا تأكيد بعد تأكيد ، ووقع في رواية مسلم من الوجه الذي ذكره البخاري موضع فيمنوا الأيمنون ، فذكره ثلاث مرات ، وعلى هذا شرح ابن التين كأنه في نسخته مثل ما في نسخة مسلم " الأيمنون " ثلاث مرات ، ولهذا قال أنس رضي الله تعالى عنه " فهي سنة " ثلاث مرات .
وفيه أنه لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن وما تطيب به النفوس ولا يتشاح فيه ، ولا سيما أن زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن مكارمة ومسامحة ، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ، وإنما أعطى الأعرابي ولم يستأذنه كما استأذن الغلام ليتألفه بذلك لقرب عهده بالإسلام ، وفيه أن السنة لمن استسقى أن يسقي من على يمينه وإن كان من على يساره أفضل ممن جلس على يمينه ، وفيه في قوله " فاستسقى " جواز ذلك ، ولا دناءة فيه بخلاف طلب الأكل . وفيه جواز المسألة بالمعروف على وجه الفقر ، وفيه إتيان دار من يصحبه اقتداء به صلى الله عليه وسلم ، وفيه شرب اللبن المخلوط بالماء ، وفيه جلوس القوم على قدر سبقهم .