باب ما قيل في شهادة الزور

[13/215] أي : هذا باب في بيان ما قيل في شهادة الزور من التغليظ والوعيد ، والزور وصف الشيء بخلاف صفته ، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق ، والمراد به هنا الكذب .
لقول الله عز وجل : وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ

ذكره هذه القطعة من الآية في معرض التعليل لما قيل في شهادة الزور من الوعيد والتهديد لا وجه له ، لأن الآية سيقت في مدح الذين لا يشهدون الزور وما قبلها أيضا في مدح التائبين العاملين الأعمال الصالحة ، وتمام الآية أيضا مدح في الذين إذا سمعوا اللغو مروا كراما ، وما بعدها أيضا من الآيات كذلك ، وقال بعضهم : أشار إلى أن الآية سيقت في ذم متعاطي شهادة الزور وهو اختيار لأحد ما قيل في تفسيرها . انتهى .
( قلت ) : ما سيقت الآية إلا في مدح تاركي شهادة الزور كما قلنا ، وقوله : وهو اختيار لأحد ما قيل في تفسيرها لم يقل به أحد من المفسرين ، وإنما اختلفوا في تفسير الزور ، فقال أكثرهم : الزور والشرك ، وقيل : شهادة الزور قاله ابن طلحة ، وقيل : المشركون ، وقيل : الصنم ، وقيل : مجالس الخناء ، وقيل : مجلس كان يشتم فيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وقيل : العهود على المعاصي .
وكتمان الشهادة .

وكتمان بالجر عطف على قوله : " في شهادة الزور " أي : وما قيل في كتمان الشهادة بالحق من الوعيد والتهديد .
لقوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
هذا التعليل في محله أي : ولا تخفوا الشهادة إذا دعيتم إلى إقامتها ، ومن كتمانها ترك التحمل عند الحاجة إليه .
قوله : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ أي : فاجر قلبه ، وخصه بالقلب لأن الكتمان يتعلق به لأنه يضمره ، فيه فأسند إليه وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ أي : يجازي على أداء الشهادة وكتمانها .
تلووا ألسنتكم بالشهادة .

أشار بقوله : " تَلْوُوا " إلى ما في قوله تعالى : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا أي : وإن تلووا ألسنتكم بالشهادة ، وروى الطبري عن العوفي في هذه الآية قال : وتلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة ، فلا تقيم الشهادة على وجهها ، وتلووا من اللي ، وأصله اللوي ، قال الجوهري : لوى الرجل رأسه وألوى برأسه أقال وأعرض ، وقوله تعالى : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا بواوين ، قال ابن عباس : هو القاضي يكون ليه وإعراضه لأحد الخصمين على الآخر ، وقد قرئ بواو واحدة مضمومة اللام من وليت ، وقال مجاهد : أي إن تلووا الشهادة فتقيموها أو تعرضوا عنها فتتركوها فإن الله يجازيكم عليه ، قال الكرماني : ولو فصل البخاري بين لفظ تلووا ولفظ ألسنتكم بمثل أي : أو يعني ليتميز القرآن عن كلامه لكان أولى .
( قلت ) : بل كان التمييز بين القرآن وكلامه واجبا لأن من لا يحفظ القرآن أو لا يحسن القراءة يظن أن قوله : " أَلسنتكم " من القرآن ، وكان الذي ينبغي أن يقول وقوله تعالى : وَإِنْ تَلْوُوا يعني ألسنتكم ، وإتيان كلمة مفردة من القرآن في معرض الاحتجاج لا يفيد ولا هو بطائل أيضا .
19 - حدثنا عبد الله بن منير قال : سمع وهب بن جرير وعبد الملك بن إبراهيم قالا : حدثنا شعبة ، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس ، عن أنس رضي الله عنه قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وشهادة الزور .

مطابقته للترجمة في قوله : " وشهادة الزور " .
( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول عبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون أبو عبد الرحمن الزاهد ، مر في الوضوء .
الثاني : وهب بن جرير بن حازم الأزدي أبو العباس .
الثالث : عبد الملك بن إبراهيم أبو عبد الله مولى بني عبد الدار القرشي .
الرابع : شعبة بن الحجاج .
الخامس : عبيد الله بتصغير العبد ابن أبي بكر بن أنس بن مالك .
السادس : أنس بن مالك .
[13/216] ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه مروزي وهو من أفراده ، وأن وهب بن جرير بصري ، وأن عبد الملك بن إبراهيم مكي ، جدي بضم الجيم وتشديد الدال المهملة وهو من أفراده ، وأن شعبة واسطي سكن البصرة ، وأن عبيد الله بصري ، قوله : عن عبد الله بن أبي بكر ، وفي رواية محمد بن جعفر التي تأتي في الأدب عن محمد بن جعفر عن شعبة ، حدثني عبيد الله بن أبي بكر ، سمعت أنس بن مالك ، وفيه رواية الراوي عن جده .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن محمد بن الوليد ، وفي الديات عن إسحاق بن منصور ، وأخرجه مسلم في الأيمان عن يحيى بن حبيب ، وعن محمد بن الوليد ، وأخرجه الترمذي في البيوع ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى ، وأخرجه النسائي في القضاء ، وفي القصاص ، وفي التفسير عن إسحاق بن إبراهيم ، وعن محمد بن عبد الأعلى .
( ذكر معناه ) : قوله : " سئل النبي صلى الله عليه وسلم " ويروى : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية بهز عن شعبة عند أحمد أو ذكرها ، وفي رواية محمد بن جعفر : ذكر الكبائر أو سئل عنها .
قوله : " عن الكبائر " جمع كبيرة وهي الفعلة القبيحة من الذنوب المنهي عنها شرعا العظيم أمرها كالقتل والزنا والفرار من الزحف وغير ذلك ، وهي من الصفات الغالبة ، يعني صار اسما لهذه الفعلة القبيحة ، وفي الأصل هي صفة والتقدير الفعلة القبيحة أو الخصلة القبيحة ، قيل : الكبيرة كل معصية ، وقيل : كل ذنب قرن بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب .
( قلت ) : الكبيرة أمر نسبي ، فكل ذنب فوقه ذنب فهو بالنسبة إليه كبيرة وبالنسبة إلى ما تحته صغيرة .
واختلفوا في الكبائر وههنا ذكر أربعة وليس فيه أنها أربع فقط لأنه ليس فيه شيء مما يدل على الحصر ، وقيل : هي سبع وهي في حديث أبي هريرة " اجتنبوا السبع الموبقات وهي الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، والسحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " ، وقيل : الكبائر تسع رواه الحاكم في حديث طويل فذكر السبعة المذكورة وزاد عليها : " عقوق الوالدين المسلمين واستحلال الحرام " وذكر شيخنا عن أبي طالب المكي أنه قال : الكبائر سبع عشرة ، قال : جمعتها من جملة الأخبار وجملة ما اجتمع من قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم وغيرهم : الشرك بالله ، والإصرار على معصيته ، والقنوط من رحمته ، والأمن من مكره ، وشهادة الزور ، وقذف المحصن ، واليمين الغموس ، والسحر ، وشرب الخمر ، والمسكر ، وأكل مال اليتيم ظلما ، وأكل الربا ، والزنا ، واللواطة ، والقتل ، والسرقة ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين . انتهى ، وقال رجل لابن عباس : الكبائر سبع ؟ فقال : هي إلى سبعمائة .
قوله : " الإشراك بالله " مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، التقدير : الكبائر الإشراك بالله ، وما بعده عطف عليه ، ووجه تخصيص هذه الأربعة بالذكر لأنها أكبر الكبائر والشرك أعظمها .
قوله : " وعقوق الوالدين " العقوق من العق وهو القطع ، وذكر الأزهري أنه يقال : عق والده يعقه بضم العين عقا وعقوقا إذا قطعه ، والعاق اسم فاعل ويجمع على عققة بفتح الحروف كلها ، وعقق بضم العين والقاف ، وقال صاحب ( المحكم ) : رجل عقق وعقوق وعق وعاق بمعنى واحد ، والعاق هو الذي شق عصا الطاعة لوالديه ، وقال النووي : هذا قول أهل اللغة ، وأما حقيقة العقوق المحرم شرعا فقل من ضبطه ، وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام : لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يختصان به من العقوق على ضابط اعتمد عليه ، فإنه لا يجب طاعتهما في كل ما يأمران به ولا ينهيان عنه باتفاق العلماء ، وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه ولشدة تفجعهما على ذلك ، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه .
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في ( فتاويه ) : العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالدان تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة ، قال : وربما قيل : طاعة الوالدين واجبة في كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق ، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما في الشبهات ، وليس قول من قال من علمائنا : يجوز له السفر في طلب العلم وفي التجارة بغير إذنهما مخالفا لما ذكرته ، فإن هذا كلام مطلق ، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق .
قوله : " وقتل النفس " يعني بغير الحق ، ويكفي فيه وعيدا .
قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا الآية .
قوله : " وشهادة [13/217] الزور " وقد مر تفسير الزور في أول الباب ، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال : عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ، وقرأ عبد الله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
واختلف في شاهد الزور إذا تاب فقال مالك : تقبل توبته وشهادته كشارب الخمر ، وعن عبد الملك : لا تقبل كالزنديق ، وقال أشهب : إن أقر بذلك لم تقبل توبته أبدا ، وعند أبي حنيفة : إذا ظهرت توبته يجب قبول شهادته إذا أتى ذلك مرة أخرى يظهر في مثلها توبته ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ، وقال ابن المنذر : وقول أبي حنيفة ومن تبعه أصح ، وقال ابن القاسم : بلغني عن مالك أنه لا تقبل شهادته أبدا وإن تاب وحسنت توبته .
واختلف : هل يؤدب إذا أقر ، فعن شريح أنه كان يبعث بشاهد الزور إلى قومه أو إلى سوقه إن كان مولى : إنا قد زيفنا شهادة هذا ويكتب اسمه عنده ويضربه خفقات وينزع عمامته عن رأسه ، وعن الجعد بن ذكوان أن شريحا ضرب شاهد زور عشرين سوطا ، وعن عمر بن عبد العزيز أنه اتهم قوما على هلال رمضان ، فضربهم سبعين سوطا ، وأبطل شهادتهم ، وعن الزهري : شاهد الزور يعزر ، وقال الحسن : يضرب شيئا ، ويقال للناس : إن هذا شاهد زور ، وقال الشعبي : يضرب ما دون الأربعين ؛ خمسة وثلاثين سبعة وثلاثين سوطا ، وفي ( كتاب القضاء ) لأبي عبيد بن سلام عن معمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة رجل في كذبة كذبها ، وذكره أبو سعيد النقاش بإسناده إلى عكرمة عن ابن عباس بلفظ : كذبة واحدة كذبها ، وفي ( الأشراف ) كان سوار يأمر به يلبب بثوبه ويقول لبعض أعوانه : اذهبوا به إلى مسجد الجامع فدوروا به على الخلق وهو ينادي : من رآني فلا يشهد بزور ، وكان النعمان يرى أن يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيا أو إلى مسجد قومه ، ويقول القاضي : يقرؤكم السلام ويقول : إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس ، ولا يرى عليه تعزيرا ، وعن مالك : أرى أن يفضح ويعلن به ويوقف ، وأرى أن يضرب ويسار به ، وقال أحمد وإسحاق : يقام للناس ويغذر ويؤدب ، وقال أبو ثور : يعاقب ، وقال الشافعي : يعزر ولا يبلغ بالتعزير أربعين سوطا ويشهر بأمره ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه حبسه يوما وخلى عنه ، وعن ابن أبي ليلى يضرب خمسة وسبعين سوطا ولا يبعث به ، وعن الأوزاعي : إذا كانا اثنين وشهدا على طلاق ففرق بينهما ثم أكذبا نفسهما أنهما يضربان مائة مائة ويغرمان للزوج الصداق ، وعن القاسم وسالم : شاهد الزور يحبس ويخفق سبع خفقات بعد العصر وينادى عليه ، وعن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة : أنه أمر بحلق أنصاف رؤوسهم وتسخم وجوههم ويطاف بهم في الأسواق .
( قلت ) : عند أبي حنيفة شاهد الزور يبعث به إلى محلته أو سوقه ، فيقال لهم : إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه ، فلا يضرب ولا يحبس ، وعند أبي يوسف ومحمد : يضرب ويحبس إن لم يحدث توبة لأنه ارتكب محظورا فيعزر .