6 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم ، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة ، أو يرجعه سالم مع أجر أو غنيمة .

مطابقته للترجمة ظاهرة .
والحديث أخرجه النسائي في الجهاد عن عمرو بن عثمان بن سعيد عن أبيه عن شعيب به .
قوله : " والله أعلم بمن يجاهد في سبيله " وقع جملة معترضة ، يعني : الله أعلم بعقد نيته إن كانت خالصة لإعلاء كلمته ، فذلك المجاهد في سبيل الله ، وإن كان في نيته حب المال والدنيا واكتساب الذكر بها ، فقد أشرك مع سبيل الله سبيل الدنيا . وفي المستدرك على شرطهما " أي المؤمن أكمل إيمانا ؟ قال : الذي يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه " .
قوله : " كمثل الصائم القائم " زاد النسائي من هذا الوجه " الخاشع الراكع الساجد " ، وفي الموطأ وابن حبان " كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع " . وفي رواية أحمد والبزار من حديث النعمان بن بشير مرفوعا " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم نهاره القائم ليله " ، مثله بالصائم لأنه ممسك لنفسه عن الأكل والشرب واللذات وكذلك المجاهد ممسك لنفسه على محاربة العدو وحابس نفسه على من يقاتله .
قوله : " وتوكل الله " أي : ضمن الله بملابسة التوفي الجنة وبملابسة عدم التوفي الرجع بالأجر أو الغنيمة ، قال الكرماني : يعني لا يخلو من الشهادة أو السلامة ، فعلى الأول يدخل الجنة بعد الشهادة في الحال ، وعلى الثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة مع جواز الاجتماع بينهما ، فهي قضية مانعة الخلو لا مانعة الجمع ، ووقع في رواية مسلم " تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي " ، وفي رواية لمسلم من طريق الأعرج عنه بلفظ " تكفل الله لمن جاهد في سبيله ، لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته " ، وكذلك أخرجه مالك في الموطأ عن أبي الزناد . وفي رواية الدارمي من وجه آخر عن أبي الزناد بلفظ " لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله وتصديق كلماته " . ولفظ الضمان والتكفل والتوكل والانتداب الذي وقع في الأحاديث كلها ، بمعنى تحقيق الوعد على وجه الفضل منه ، وعبر صلى الله تعالى عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى بتفضيله بالثواب بلفظ الضمان ونحوه بما جرت به العادة بين الناس بما تطمئن به النفوس وتركن إليه القلوب .
قوله : " بأن يتوفاه أن يدخله الجنة " أي : بأن يدخله الجنة و" أن " في الموضعين مصدرية ، تقديره : ضمن الله بتوفيه بدخول الجنة . وفي رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان " إن توفاه " بالشرط والفعل الماضي ، أخرجه الطبراني . قوله : " أن يدخله الجنة " ، أي : بغير حساب ولا عذاب ، أو المراد : يدخله الجنة ساعة موته . وقال ابن التين : إدخاله الجنة يحتمل أن يدخلها إثر وفاته تخصيصا للشهيد أو بعد البعث ، ويكون فائدة تخصيصه أن ذلك كفارة لجميع خطايا المجاهد ، ولا توزن مع حسناته . قوله : " أو يرجعه " بفتح الياء ، تقديره : أو أن يرجعه ، بالنصب عطفا على " أن يتوفاه " .
قوله : " سالما " حال من الضمير المنصوب في " يرجعه " . قوله : " مع أجر أو غنيمة " ، إنما أدخل " و" هاهنا ، قيل : لأنه قد يرجع مرة بغنيمة دون أجر وليس كذلك على ما يجيء الآن ، بل أبدا يرجع بالأجر ، كانت غنيمة أو لم تكن ، قاله ابن بطال . وقال ابن التين والقرطبي : إن أو هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين ، وقد سقطت في أبي داود وفي بعض روايات مسلم ، وبه جزم ابن عبد البر ، ورجحه التوربشتي شارح المصابيح ، والتقدير : أو يرجعه بأجر وغنيمة ، وكذا وقع عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بالواو أيضا ، وذهب بعضهم إلى أن " أو " على بابها ، وليست بمعنى الواو ، أي : أجر لمن لم يغنم ، أو غنيمة ولا أجر ، وهذا ليس بصحيح ، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا " ما من غازية تغزو في سبيل الله [14/85] فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الأجرة ، ويبقى لهم الثلث ، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم " ، فهذا يدل على أنه لا يرجع أصلا بدون الأجر ، ولكنه ينقص عند الغنيمة . فإن قلت : ضعف هذا الحديث لأن فيه حميد بن هانئ وهو غير مشهور . قلت : هذا كلام لا يلتفت إليه ، لأنه ثقة محتج به عند مسلم ، وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما ، ولا يعرف فيه تجريح لأحد .