|
18 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن الأسود بن قيس ، عن جندب بن سفيان ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في بعض المشاهد وقد دميت إصبعه فقال : هل أنت إلا إصبع دميت .. وفي سبيل الله ما لقيت .
مطابقته للترجمة في قوله : " وقد دميت إصبعه " لأنه نكب في إصبعه . وأبو عوانة ، بفتح العين ، الوضاح اليشكري . والأسود بن قيس ، أخو علي بن قيس البجلي ، الكوفي . وجندب ، بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها ، ابن عبد الله بن سفيان البجلي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أبي نعيم عن الثوري . وأخرجه مسلم في المغازي عن يحيى بن يحيى وقتيبة كلاهما عن أبي عوانة ، وعن أبي بكر وإسحاق كلاهما عن ابن عيينة . وأخرجه الترمذي في التفسير وفي الشمائل عن ابن أبي عمر عن ابن عيينة ، وفي الشمائل عن محمد بن المثنى . وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن قتيبة به ، وعن عمرو بن منصور . قوله : " المشاهد " أي : المغازي ، وسميت بها لأنها مكان الشهادة . قوله : " وقد دميت أصبعه " يقال : دمي الشيء يدمى دما ودميا ، فهو دم ، مثل فرق يفرق فرقا فهو فرق ، والمعنى أن إصبعه جرحت فظهر منها الدم . قوله : " هل أنت " معناه : ما أنت ، " إلا إصبع دميت " ، قال النووي : الرواية المعروفة كسر التاء وسكنها بعضهم ، والإصبع فيها عشر لغات تثليث الهمزة مع تثليث الباء والعاشرة أصبوع . قوله : " دميت " بفتح الدال صفة للإصبع ، والمستثنى فيه أعم عام الصفة أي : ما أنت يا إصبع موصوفة بشيء إلا بأن دميت ، كأنها لما توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة تسليا لها ، أي : تثبتي فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت ، ولم يكن ذلك أيضا هدرا بل كان في سبيل الله ورضاه . قيل : كان ذلك في غزوة أحد ، وفي صحيح مسلم " كان النبي صلى الله عليه وسلم في غار فنكبت أصبعه " وقال القاضي عياض : قال أبو الوليد : لعله غازيا فتصحف كما قال في الرواية الأخرى في بعض المشاهد وكما جاء في رواية البخاري " يمشي إذا أصابه حجر " فقال القاضي : قد يراد بالغار الجمع والجيش لا الكهف ، ومنه قول علي رضي الله تعالى عنه : ما ظنك بامرئ جمع بين هذين الغارين ، أي : العسكرين . قال الكرماني : فإن قلت : هذا شعر ، وقد نفى الله تعالى عنه أن يكون شاعرا . قلت : أجابوا عنه بوجوه ؛ بأنه رجز والرجز ليس بشعر ، كما هو مذهب الأخفش ، وإنما يقال لصانعه فلان الراجز ولا يقال الشاعر ، إذ الشعر لا يكون إلا بيتا تاما مقفى على أحد أنواع العروض المشهورة ، وبأن الشعر لا بد فيه من قصد ذلك ، فما لم يكن مصدره عن نية له وروية فيه ، وإنما هو على اتفاق كلام يقع موزونا بلا قصد إليه ، ليس منه كقوله : وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ وكما يحكى عن السؤال اختموا صلاتكم بالدعاء والصدقة ، وعن بعض المرضى وهو يعالج الكي ويتضور اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى ، وبأن البيت الواحد لا يسمى شعرا . وقال بعضهم : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ هو رد على الكفار المشركين في قولهم بل هو شاعر ، وما يقع على سبيل الندرة لا يلزمه هذا الاسم ، إنما الشاعر هو الذي ينشد الشعر ويشبب ويمدح ويذم ويتصرف في الأفانين ، وقد برأ الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وصان قدره عنه ، فالحاصل أن المنفي هو صنعة الشاعرية لا غير ، وفي التوضيح " هل أنت إلا أصبع " إلى آخره ، رجز موزون وقد يقع على لسانه صلى الله عليه وسلم مقدار البيت من الشعر أو البيتين من الرجز . كقوله : أنا النبي لا كذب .. أنا ابن عبد المطلب [14/100] فلو كان هذا شعرا لكان خلاف قوله تعالى : وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ والله يتعالى أن يقع شيء من خبره أن يوجد على خلاف ما أخبر به ، ووقوع الكلام الموزون في النادر من غير قصد ليس بشعر ، لأن ذلك غير ممتنع على أحد من العامة والباعة أن يقع له كلام موزون فلا يكون بذلك شاعرا ، مثل قولهم : | اسقني في الكوز ماء يا فلان | | وأسرج البغل وجئني بالطعام | فهذا القدر ليس بشعر ، والرجز ليس بشعر ، قاله القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره . وقال ابن التين : هذا الشعر لابن رواحة . وفيه نظر ، وقيل : لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم للوليد بن الوليد باع ما له بالطائف وهاجر على رجليه إلى المدينة فقدمها وقد تقطعت رجلان وأصابعه فقال : | هل أنت إلا إصبع دميت | | وفي سبيل الله ما لقيت | | يا نفس إن لا تقتلي تموتي | . ومات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : الوليد هذا أخو خالد بن الوليد ، سيف الله . وقال أبو عمر : " قال مصعب : شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضية ، وكتب إلى أخيه خالد - وكان خالد خرج من مكة فارا لئلا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة كراهية للإسلام وأهله - فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد وقال : لو أتانا خالد لأكرمناه ، وما مثله سقط عليه الإسلام في غفلة ، فكتب بذلك الوليد إلى أخيه خالد فوقع الإسلام في قلب خالد ، وكان سبب هجرته " .
|
|
|