57 - حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا فليح قال : حدثنا هلال عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام على المنبر ، فقال : إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من بركات الأرض ، ثم ذكر زهرة الدنيا فبدأ بإحداهما وثنى بالأخرى ، فقام [14/136] رجل فقال : يا رسول الله ، أو يأتي الخير بالشر ؟ فسكت عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا : يوحى إليه ، وسكت الناس كأن على رؤوسهم الطير ، ثم إنه مسح عن وجهه الرحضاء فقال : أين السائل آنفا ؟ أوخير هو ؟ ثلاثا ، إن الخير لا يأتي إلا بالخير ، وإنه كلما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر كلما أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ، ثم رتعت ، وإن هذا المال خضرة حلوة ، ونعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه يجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين وابن السبيل ، ومن لم يأخذه بحقه فهو كالآكل الذي لا يشبع ويكون عليه شهيدا يوم القيامة .

مطابقته للترجمة في قوله : " فجعله في سبيل الله " ومحمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون أبو بكر العوفي الباهلي الأعمى ، وهو من أفراده ، وفليح بن سليمان وهلال بن أبي ميمونة ، ويقال : هلال بن أبي هلال ، وهو هلال بن علي الفهري المديني ، والحديث قد مضى في كتاب الزكاة في باب الصدقة على اليتامى ، ومضى الكلام فيه هناك ، فلنذكر بعض شيء لبعد المسافة .
قوله : " فبدأ بإحداهما " أي : بالبركات ، قوله : " وثنى بالأخرى " أي : بزهرة الدنيا ، قوله : " أويأتي الخير بالشر " أي : تصير النعمة عقوبة ، قوله : " كأن على رؤوسهم الطير " قال الداودي : يعني أن كل واحد صار كمن على رأسه طائر يريد صيده فلا يتحرك كيلا يطير ، قوله : " الرحضاء " بضم الراء وفتح الحاء المهملة وبالمد العراق الذي أدره عند نزول الوحي عليه يقال : رحض الرجل إذا أصابه ذلك فهو مرحوض ورحيض ، قوله : " أوخير هو " أي : المال هو خير على سبيل الإنكار ، قوله : " إن الخير لا يأتي إلا بالخير " أي : الخير الحقيقي لا يأتي إلا بالخير ، لكن هذا ليس خيرا حقيقيا لما فيه من الفتنة والإشغال عن كمال الإقبال إلى آخره ، قوله : " ينبت " بضم الياء من الإنبات ، قوله : " حبطا " وقعت هذه اللفظة في الأصول ، وذكر ابن التين أنه محذوف ، وهو بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة والطاء المهملة ، وهو انتفاخ البطن من داء يصيب الآكل من أكله ، وانتصابه على التمييز ، وقال ابن قرقول : حبطت الدابة إذا أكلت المرعى حتى ينتفخ جوفها فتموت ، قوله : " أو يلم " بضم الياء من الإلمام ، أي : يقرب أن يقتل ، قوله : " إلا آكلة الخضر " أي : إلا الدابة التي تأكل الخضر فقط ، قوله : " فثلطت " أي : الناقة إذا ألقت بعرها رقيقا ، قوله : " خضرة " تأنيثه إما باعتبار أنواعه أو التاء للمبالغة كالعلامة أو معناه إن كان المال كالبقلة الخضرة ، قوله : " ونعم صاحب المسلم " المخصوص بالمدح المال ، قوله : " ويكون عليه شهيدا " وذلك بأن يأتيه في صورة من يشهد عليه بالخيانة ، كما يأتي على صورة شجاع أقرع .