[1/280] 9 - بَابُ
هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاء قَبْل أنْ يَغْسِلَهَا
إذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدهِ قَذَرٌ غَيْر الجَنَابةِ ؟
وأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده في الطهور ، ولم يغسلها ، ثم توضأ .
ولم ير ابن عمر وابن عباس بأسًا بما ينتضح من غسل الجنابة .


أشار البخاري هاهنا إلى مسألتين :
إحداهما : أن الجنب إذا أدخل يده في الماء قبل غسلها ، وليس على يده نجاسة - فإنه لا ينجس الماء ؛ فإن المؤمن لا ينجس .
وقد ذكر عن ابن عمر والبراء بن عازب أنهما أدخلا أيديهما في الطهور من غير غسل ، ثم توضآ . وهذا في الوضوء .
وقد سبق ذكره في الكلام على حديث عثمان بن عفان في صفة الوضوء ، وعلى الكلام على حديث ( إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ) .
وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، قالَ : رأيت البراء بن عازب بال ، فأدخل يده في مطهرة المسجد ، يعني : قبل أن يغسلها .
[1/281] وعن سفيان ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي ، قالَ : كانَ الرجال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب ، والنساء وهن حيض ، لا يرون بذلك بأسًا .
ورخص فيهِ ابن المسيب وغيره .
واختلف كلام أحمد في ذَلِكَ ؛ فقالَ مرة في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء إذا كانَا نظيفتين : لا بأس به . ونقل عنه ابنه عبد الله في الجنب يدخل يده في الإناء ، ولم يمسها أذى ، ولم ينم - قالَ : إن لم ينم فأرجو أن لا يكون به بأس ، وإن نام غسلها .
يشير إلى أنه إن كانَ قائما من النوم فإنه لا يرخص لهُ في ترك غسلها ، فجعل القائم من النوم أشد من الجنب .
ونقل عنه كراهة ذَلِكَ :
نقل عنه صالح وابن منصور في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء ، قالَ : كنت لا أرى به بأسًا ، ثم حدثت عن شعبة ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، فكأني تهيبته .
ونقل عنه صالح أيضًا في جنب أدخل يده في ماء ، ينظر حره من [1/282] برده : إن كانَ أصبعًا رجوت أن لا يكون به بأس ، وإن كانَ اليد أجمع فكأنه كرهه .
ونقل عنه صالح أيضًا في جنب يدخل الحمام ، ليس معه أحد ، ولا ماء يصب به على يده - ترى لهُ أن يأخذ بفمه ؟ قالَ : لا ، يده وفمه واحد .
وروى بقية ، عن الزبيدي ، عن علي بن أبي طلحة ، في الجنب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها - قالَ : يهريق أعلاه .
وخرج أبو عبيد بإسناده ، عن النخعي ، قالَ : إذا غمس الجنب يده في إناء صغير [فأهرقه] ، وإن كانَ كبيرًا فلا بأس به .
وهذا قد يرجع إلى القول بنجاسة بدن الجنب ، وهو قول شاذ ترده السنة الصحيحة . وقد روي عن أحمد في جنب اغتسل في ماء يسير [...] .
ولم ينقل عنه في المحدث يتوضأ في ماء يسير ، وإن كانَ أصحابنا قد سووا بينهما .
وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يكره فضل الحائض والجنب .
[1/283] وروى أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ لا يرى بسؤر المرأة بأسًا ، إلا أن تكون حائضًا أو جنبًا .
وروي عن معاذة ، عن عائشة ، أنها كانت تكره سؤر الحائض ، وأن يتوضأ به .
وروي عن أحمد كراهة سؤر الحائض إذا [...] بالماء .
وفي ( مسند بقي بن مخلد ) من رواية سويد بن عبد العزيز الدمشقي ، عن نوح بن ذكوان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : وضعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماء ، وأدخلت يدي فيهِ ، فلم يتوضأ منه .
وهذا منكر ، لا يصح . وسويد ونوح ضعيفان .

فأما إن أدخل الجنب يده في الماء بعد أن نوى الغسل ، فاغترف منه ، وكان الماء قليلًا - فإن نوى الاغتراف من الماء لم يضره ، وإن نوى غسل يده من الجنابة في الماء صار الماء مستعملًا .
وإن أطلق النية ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء ، أشهرهما عندهم أنه يصير مستعملًا ، وهو قول الشافعية .
والصحيح أنه لا يصير بذلك مستعملًا .
وعليه يدل حديث عائشة وميمونة ، واغتسال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه من إناء واحد ؛ فإنه لو كانَ يصير الماء مستعملًا بغمس اليد في الماء بدون نية الاغتراف لوجب بيانه للأمة بيانًا عاما ؛ فإن هذا مما تدعو الضرورة إليه ؛ فإن [1/284] عامة الناس لا يستحضرون نية الاغتراف ، وأكثرهم لا يعلمون حكم ذَلِكَ ، بل قد روي عن النبي وأصحابه ما يدل على خلاف ذَلِكَ ، وأن الماء لا يجنب باغتراف الجنب منه .
وروى سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من جفنة ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ، فقالت : يا رسول الله ، إني كنت جنبًا ! قالَ : ( إن الماء لا يجنب ) .
خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ، وابن خزيمة في ( صحيحه ) ، والحاكم وصححه .
وأعله الإمام أحمد بأنه روي عن عكرمة مرسلًا .

وقد صح عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يغتسل من ماء الحمام ، فقالَ : الماء لا يجنب .
وصح عنه أنه قالَ : الماء لا يجنب .

وكذلك صح عن عائشة من رواية شعبة ، عن يزيد الرشك ، عن معاذة ، قالت : سألت عائشة عن الغسل من الجنابة ؟ فقالت : إن الماء لا ينجسه شيء ؛ كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد .
وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ، ولفظه : إن عائشة قالت : الماء طهور ، لا يجنب الماء شيء ؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد . قالت : أبدؤه ، فأفرغ على يديه من قبل أن يغمسهما في الإناء .
وروى المقدام بن شريح ، عن أبيه ، أنه سأل عائشة عن غسل الجنابة ؟ [1/285] فقالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد . قالَ شريح : كيف يكون ؟ قالت عائشة : إنه ليس على الماء جنابة ، مرتين أو ثلاثة .
خرجه [...] وبقي بن مخلد في ( مسنده ) .
وخرجه إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) ، وعنده : فقالت : إن الماء لا ينجس .
وقد رفع بعضهم آخر الحديث ، وهو قوله : ( الماء لا ينجس ) ، فجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الطبراني والقاضي إسماعيل وابن عدي وغيرهم - مرفوعًا .
والصحيح أنه موقوف على عائشة .

المسألة الثانية :
ما ينتضح من بدن الجنب في الماء الذي يغتسل منه .
وقد ذكر البخاري عن ابن عمر وابن عباس أنهما لم يريا به بأسًا .
وروى وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب ، عن رجل ، عن ابن عباس - أنه لم يكن يرى به بأسًا .
وكذلك رخص فيهِ أكثر السلف ، منهم ابن سيرين والحسن والنخعي وأبو جعفر .
[1/286] قالَ النخعي : أو تجد من ذَلِكَ بدا ؟
وعن الحسن نحوه .
ورخص فيهِ أيضًا مالك وأحمد وإسحاق ، وغيرهم .
وقد سبق بسط ذَلِكَ في ذكر الماء المستعمل ، وأنه ليس بنجس .
ويدل على ذَلِكَ أن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أزواجه من الإناء الواحد لا يسلم من إصابة رشاش الماء المتقاطر منهما [للماء] ، ولو كانَ ذَلِكَ نجسًا لوجب بيانه والأمر بالتحرز منه ؛ فإن هذا مما تعم به البلوى ، ولا يكاد يسلم الناس منه .
وكلام أحمد يدل على أن ما ينضح من الماء عندَ الغسل والوضوء على البدن أو الثوب في الماء لا بأس به .
فإن توضأ في طشت ، ثم صبه ، فأصاب ثوبه منه - فإنه يستحب لهُ غسله والتنزه عنه ؛ فإن هذا لا يشق التحرز عنه ، وهو ماء [قذر] ، قد أخرج الذنوب والخطايا ، واختلف في نجاسته .