|
باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرق
أي هذا باب يذكر فيه إذا أحرق المشرك الرجل المسلم هل يحرق هذا المشرك جزاء بفعله ، وأحرق يحرق من باب الأفعال ، وفي بعض النسخ : إذا حرق بتشديد الراء من التحريق ، وكذلك يحرق بالتشديد ، قيل : كان اللائق أن يذكر هذه [14/267] الترجمة قبل بابين ، فلعل تأخيرها من تصرف النقلة ، قلت : ذكر هذه الترجمة في ذلك الموضع ليس بأمر مهم فلا يحتاج نسبة ذلك إلى تصرف النقلة ، ثم قال قائل هذا القول : ويؤيد ذلك أنهما ، أي أن البابين المذكورين قبل هذا الباب سقطا جميعا للنسفي ، وثبتت عنده ترجمة إذا أحرق المشرك تلو ترجمة لا يعذب بعذاب الله ، قلت : لا يلزم من سقوط هذين البابين عنده تأييد ما ذكره ؛ لأن الساقط معدوم والمعدوم لا يؤيد ولا يؤكد . 221 - حدثنا معلى بن أسد قال : حدثنا وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رهطا من عكل ثمانية ، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة ، فقالوا : يا رسول الله ابغنا رسلا ، قال : ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذود ، فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا ، وقتلوا الراعي واستاقوا الذود وكفروا بعد إسلامهم ، فأتى الصريخ النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث الطلب ، فما ترجل النهار حتى أتي بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم ، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها ، وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا . قال أبو قلابة : قتلوا وسرقو وحاربوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وسعوا في الأرض فسادا .
قيل : ليس فيه مطابقة للترجمة ؛ لأنه ليس فيه أن هذا الرهط من عكل فعلوا ذلك براعي النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وأجاب الكرماني بأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فعل بهم مثل ما فعلوا بالراعي من سمل العين ونحوه ، ويؤول لا تعذبوا بعذاب الله بما إذا لم يكن في مقابلة فعل الجاني ، فالحديثان لموضع النهي والجزاء ، وقال صاحب التوضيح : وقد يخرج معنى الترجمة من هذا الحديث بالدليل ولو لم يصح سمل العرنيين للرعاء ؛ وذلك أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لما سمل أعينهم ، والسمل التحريق بالنار ، استدل منه البخاري أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء أنه أولى بالجواز في تحريق المشرك إذا أحرق المسلم ، قلت : الأوجه ما قاله الكرماني بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم فعل بهم مثل ما فعلوا بالراعي من سمل العين ، وقد ثبت ذلك فيما رواه مسلم من وجه آخر عن أنس قال : إنما سمل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعين العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء ، ولو اطلع صاحب التوضيح على هذا لما قال لم يصح سمل العرنيين للرعاء . قوله " معلى " بضم الميم وتشديد اللام المفتوحة ابن أسد ، كذا ثبت منسوبا في رواية الأصيلي وغيره ، ووهيب بضم الواو وفتح الهاء هو ابن خالد ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة بكسر القاف عبد الله بن زيد الجرمي . والحديث قد مر في كتاب الوضوء في باب أبوال الإبل والدواب ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله " عكل " بضم العين المهملة وسكون الكاف ، قبيلة معروفة ، قوله : " ثمانية بالنصب " بدل من رهطا أو بيان له ، قوله : فاجتووا من الاجتواء وهو كراهة الإقامة . قوله : " ابغنا " أي أعنا ، مشتق من الإبغاء يقال أبغيتك الشيء إذا أعنتك على طلبه ، قوله : " رسلا " بكسر الراء وسكون السين المهملة وهو الدر من اللبن ، قوله : " بالذود " بفتح الذال المعجمة وهو من الإبل ما بين الثلاث إلى العشرة ، قوله : الصريخ ، هو صوت المستغيث أو الصارخ ، قوله : " فبعث " الطلب بفتح اللام جمع طالب ، قوله : " فما ترجل النهار " أي ما ارتفع النهار حتى أتي بهم ، أي بالثمانية المذكورين ، قوله : " فأحميت " كذا وقع من الإحماء مزيد الثلاثي ، وهو الصواب في اللغة ، فلا يقال فحميت من الثلاثي ، قوله : " بالحرة " بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء ، موضع بالمدينة ، وقد مر غير مرة ، قوله : " قال أبو قلابة " هو الراوي المذكور ، قوله : " سرقوا " لم يكن هذا سرقة إنما كان حرابة ، وهذا ظاهر لا يخفى .
|