|
255 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى ، فقال : يا هني اضمم جناحك عن المسلمين ، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة ، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول : يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أنا لا أبا لك ، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق ، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم ، فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام ، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا .
مطابقته للترجمة : يمكن أن تؤخذ من قوله : " إنها لبلادهم فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام " وذلك لأن أهل المدينة أسلموا لو لم يكونوا من أهل العنوة فهم أحق ، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين ، وإسماعيل هو ابن أويس واسمه عبد الله وهو ابن أخت مالك ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . وهذا الأثر تفرد به البخاري ، عن الجماعة ، وقال الدارقطني : فيه غريب صحيح . قوله " هنيا " بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف ، وقد يهمز ، أدرك أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يذكره أحد في الصحابة ، وروى عن أبي بكر وعمر وعمرو بن العاص ، وروى عنه ابنه عمير وشيخ من الأنصار وغيرهما ، وشهد صفين مع معاوية ، ولما قتل عمار تحول إلى علي رضي الله تعالى عنه ، ولولا هو من أهل الفضل والثقة لما ولاه عمر على موضع . قوله : " على الحمى " بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مقصورا ، وهو موضع يعينه الإمام لأجل نعم الصدقة ممنوعا عن الغير ، وبين ابن سعد من طريق عمير بن علي ، عن أبيه أنه كان على حمى الربذة ، قوله : " اضمم جناحك " ضم الجناح كناية عن الرحمة والشفقة ، وحاصل المعنى كف يدك عن ظلم المسلمين ، وفي رواية معن بن عيسى ، عن مالك عند الدارقطني في الغرائب " اضمم جناحك للناس " وفي التلويح : " اضمم جناحك على المسلمين " يريد استرهم بجناحك ، وفي بعض الروايات " على المسلمين " أي لا تحمل ثقلك عليهم وكف يدك عن ظلمهم . قوله : " واتق دعوة المظلوم " هكذا في رواية الإسماعيلي [14/305] والدارقطني وأبي نعيم ، ويروى : " واتق دعوة المسلمين " . قوله : " وأدخل " بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة ، أمر من الإدخال ، يعني : أدخل في المرعى رب الصريمة بضم الصاد المهملة وفتح الراء مصغر الصرمة وهي القطيعة من الإبل بقدر الثلاثين ، والغنيمة مصغر الغنم ، والمعنى صاحب القطيعة القليلة من الإبل والغنم ، ولهذا صغر اللفظين ، قوله : " وإياي " وكان القياس أن يقول وإياك ؛ لأن هذه اللفظة للتحذير ، وتحذير المتكلم نفسه شاذ عند النحاة ؛ ولكنه بالغ فيه من حيث إنه حذر نفسه ومراده تحذير المخاطب ، وهو أبلغ لأنه ينهى نفسه ومراده نهي من يخاطبه . قوله : " نعم ابن عوف " وهو عبد الرحمن بن عوف ، ونعم بن عفان وهو عثمان بن عفان ، وإنما خصهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما لأنهما كانا من مياسير الصحابة ، ولم يرد بذلك منعهما البتة وإنما أراد أنه إذا لم يسع المرعى إلا نعم الفريقين فنعم المقلين أولى ، فنهاه عن إيثارهما على غيرهما وتقديمهما على غيرهما ، وقد بين وجه ذلك في الحديث بقوله " فإنهما " أي فإن ابن عوف وابن عفان إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، أراد أن ماشيتهما إذا هلكت كان لهما عوض ذلك من أموالهما من النخل والزرع وغيرهما يعيشان فيها ، ومن ليس له إلا الصريمة القليلة أو الغنيمة القليلة إن تهلك ماشيتهما يستغيث عمر ويقول أنفق علي وعلى بني من بيت المال ، وهو معنى قوله : " يأتني ببنيه " أي بأولاده ، فيقول يا أمير المؤمنين نحن فقراء محتاجون ، وهذا في رواية الكشميهني هكذا ، ببنيه جمع ابن ، وفي رواية غيره " ببيته " بلفظ البيت الذي هو عبارة عن زوجته ، قوله : " يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين " هكذا هو بالتكرار ، قوله : " أفتاركهم أنا " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى أنا لا أتركهم محتاجين ولا أجوز ذلك ، فلا بد لي من إعطاء الذهب والفضة إياهم بدل الماء والكلأ ، قوله : " لا أبا لك " هو حقيقة في الدعاء عليه لكن الحقيقة مهجورة ، وهي بلا تنوين ؛ لأنه صار شبيها بالمضاف وإلا فالأصل لا أب لك ، قوله : " وايم الله " من ألفاظ القسم كقولك لعمر الله وعهد الله ، وفيه لغات كثيرة ، وتفتح همزتها وتكسر ، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع ، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جمع يمين ، وغيرهم يقول هو اسم موضوع للقسم ، قوله : " إنهم ليرون " بضم الياء أي ليظنون أني قد ظلمتهم ، ويجوز بفتح الياء أي ليعتقدون ، قوله : " قد ظلمتهم " قال ابن التين : يريد أرباب المواشي الكثيرة ، والظاهر أنه أراد أرباب المواشي القليلة لأنهم الأكثرون وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة ، يدل عليه قوله : " إنها " أي إن هذه الأراضي لبلادهم ، فقاتلوا عليها في الجاهلية ، والمراد عموم أهل المدينة ، ولم يدخل في ذلك ابن عوف ولا ابن عفان ، قوله : " لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله " أي من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد ما يركب ، وجاء عن مالك أن عدة ما كان في الحمى في زمن عمر رضي الله تعالى عنه بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرهما . وفيه دليل على أن مشارع القرى وعوامرها التي ترعى فيها مواشي أهلها من حقوق أهل القرية ، وليس للسلطان بيعه إلا إذا فضل منه فضلة ، فإن قلت : قد مضى " لا حمى إلا لله ولرسوله " قلت : معناه لا حمى لأحد يخص به نفسه ، وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورث ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من الخلفاء للمصلحة الشاملة للمسلمين وما يحتاجون إلى حمايته .
|