|
باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن .
أي هذا باب يذكر فيه إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة ، وجواب إذا محذوف تقديره يجوز للضرورة قوله " والمؤمنات " بالجر عطف على ما قبله وتقديره : وإذا اضطر الرجل إلى النظر في المؤمنات إذا عصين الله قوله : " وتجريدهن " أي : وإذا اضطر أيضا إلى تجريدهن من الثياب لأن المعصية تبيح حرمتها ألا ترى أن عليا والزبير رضي الله تعالى عنهما أرادا كشف المرأة في قضية كتاب حاطب ، وقد أجمعوا أن المؤمنات والكافرات في تحريم الزنا بهن سواء ، وكذلك تحريم النظر إليهن ، ولكن الضرورات تبيح المحظورات ، ولم أر أحدا تعرض لشرح هذه الترجمة . 276 - حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا حصين عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن - وكان عثمانيا فقال لابن عطية وكان علويا : إني لأعلم ما الذي جرأ صاحبك على الدماء ، وسمعته يقول : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم والزبير فقال : ائتوا روضة كذا وتجدون بها امرأة أعطاها حاطب كتابا ، فأتينا الروضة فقلنا : الكتاب ، قالت : لم يعطني فقلنا : لتخرجن أو لأجردنك ، فأخرجت من حجزتها ، فأرسل إلى حاطب ، فقال : لا تعجل والله ما كفرت ولا ازددت للإسلام إلا حبا ، ولم يكن أحد من أصحابك إلا وله بمكة من يدفع الله به عن أهله وماله ، ولم يكن لي أحد ، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا ، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر : دعني أضرب عنقه . [15/12] فإنه قد نافق فقال ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، فهذا الذي جرأه .
مطابقته للترجمة كلها ما تتأتى ؛ لأن حديث الباب ليس فيه النظر إلى المؤمنات إذا عصين الله ، نعم يطابق الترجمة قوله: " فأخرجت من حجزتها " ، وفي الحديث الذي مضى في باب الجاسوس : فأخرجته من عقاصها ، وعن قريب نذكر التوفيق بينهما ، وعقاصها ذوائبها المضفورة ، فلم يكن إلا وقد كشفت شعرها لإخراج الكتاب ، فبالضرورة حينئذ نظروا إليه للضرورة ، وقوله أيضا : " أو لأجردنك " يطابق في الترجمة قوله: " وتجريدهن " ، وقيل : ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة ، أو ذمية ، لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل ، وقال ابن التين : إن كانت مشركة لم يوافق الترجمة ، وأجيب بأنها كانت ذات عهد فحكمها حكم أهل الذمة . ذكر رجاله وهم محمد بن عبد الله بن حوشب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة ، وفي آخره باء موحدة الطائفي ، وهشيم بن بشير الواسطي ، وحصين بضم الحاء ، وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي ، وسعد بن عبيدة بضم العين وفتح الباء الموحدة أبو حمزة السلمي الكوفي ، ختن أبي عبد الرحمن عبد الله السلمي ، وكل هؤلاء قد مروا . والحديث قد مر من وجه آخر في الجهاد في باب الجاسوس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . قوله : " وكان عثمانيا " أي وكان عبد الرحمن يقدم عثمان بن عفان على علي بن أبي طالب ، وهو قول أكثر أهل السنة قوله : " فقال لابن عطية " هو حبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة . قوله : " وكان علويا " أي يفضل علي بن أبي طالب على عثمان ، وهو قول جماعة من أهل السنة من أهل الكوفة قوله : " إني لأعلم " مقول قوله : " قال " أي قال أبو عبد الرحمن لابن عطية : إني لأعلم ما الذي جرأ ، أي : أي شيء جرأ صاحبك ، وقوله : " وكان علويا " جملة معترضة بين القول ومقوله . قوله : " جرأ " بتشديد الراء من الجراءة ، وهي الجسارة ، وأراد بقوله : " صاحبك " علي بن أبي طالب ، قال الكرماني : كيف جاز نسبة الجراءة على القتل إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ؟ وأجاب بقوله : غرضه أنه لما كان جازما أنه من أهل الجنة عرف أنه إن وقع منه خطأ فيما اجتهد فيه عفي عنه يوم القيامة قطعا . انتهى . قلت : قول أبي عبد الرحمن ظن منه ؛ لأن عليا رضي الله تعالى عنه على مكانته من الفضل والعلم لا يقتل أحدا إلا بالواجب ، وإن كان قد ضمن له بالجنة لشهوده بدرا وغيرها ، ومع هذا قال الداودي : بئس ما قال أبو عبد الرحمن . قوله : " وسمعته يقول " أي سمعت عليا رضي الله تعالى عنه يقول : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه ، قوله : " روضة كذا " أي روضة خاخ كما ذكر هكذا في باب الجاسوس . قوله : " امرأة " ، وهي سارة بالسين المهملة والراء . قوله : " حاطب " ، وهو حاطب بن أبي بلتعة بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح التاء المثناة من فوق ، وبالعين المهملة . قوله : " الكتاب " منصوب بمقدر أي هات الكتاب ونحوه . قوله : " لم يعطني " أي لم يعطني حاطب الكتاب ، أو لم يعطني أحد الكتاب . قوله : " لتخرجن " باللام المفتوحة وبالنون المشددة أي لتخرجن الكتاب ، أو لأجردنك من الثياب ، يقال : جردت الثوب عنه أي نزعته وكشفت عنه ، وكلمة " أو " هنا بمعنى إلا في الاستثناء ، ولأجردنك منصوب بأن المقدرة ، والمعنى لتخرجن الكتاب إلا أن تجردي كما في قولك لأقتلنك ، أو تسلم ؛ أي إلا أن تسلم ، وقريب منه أن يكون بمعنى إلى كما في قولك : " لألزمنك أو تعطيني حقي " أي إلى أن تعطيني حقي . قوله : " فأخرجت " ويروى : " فأخرجته " ، أي فأخرجت الكتاب من حجزتها بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالزاي ، وهي معقد الإزار ، وحجزة السراويل التي فيها التكة ، ووقع في رواية القابسي من حزتها بحذف الجيم ، وهي لغة عامية ، وقد مضى في باب الجاسوس أنها أخرجته من عقاصها ، وهي شعورها المضفورة ، والتوفيق بينهما بأنه لعلها أخرجته من الحجزة أولا ثم أخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى الإخراج عنها ، أو المراد من الحجزة المعقد مطلقا ، أو الحبل ؛ إذ الحجاز حبل يشد بوسطه يد البعير ثم يخالف فيعقد به رجلاه ، ثم يشد طرفاه إلى حقويه ، أو عقاصها كانت تصل إلى موضع الحجزة ، فباعتباره صح الإطلاقان ، أو كان ثم كتابان ، وإن كان مضمونهما واحدا كما أن القضية واحدة . قوله : " فقال : لا تعجل " أي فقال حاطب : " لا تعجل يا رسول الله " . قوله : " فهذا الذي جرأه " أي قوله اعملوا ما شئتم لأهل بدر هو الذي جرأ حاطبا ، وبقية البحث مرت في باب الجاسوس .
|