|
باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر .
أي هذا باب في بيان بركة الغازي إلى آخره ، البركة بالباء الموحدة مأخوذة في الأصل من برك البعير إذا ناخ في موضع فلزمه ، ويطلق أيضا على الزيادة ، وفي ديوان الأدب : البركة الزياة ، والنمو وتبرك به أي تيمن . وقيل : صحفها بعضهم فقال : تركة الغازي بالتاء المثناة من فوق قال عياض : وهو وإن كان متجها باعتبار أن في القصة ذكر ما خلفه الزبير رضي الله تعالى عنه لكن قوله : " حيا وميتا مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر " يدل على أن الصواب ما وقع عند الجمهور بالباء الموحدة . وقيل : " هذا يشبه أن يكون من باب القلب ؛ لأن الذي ينبغي أن يقال : باب بركة مال الغازي . قلت : لا حاجة إلى هذا ؛ لأن المعنى باب البركة الحاصلة للغازي في ماله . قوله: " حيا " نصب على الحال أي في حال كونه حيا . وقوله : " وميتا " عطف عليه ، أي : وفي حال موته . قوله : " مع النبي صلى الله عليه وسلم " يتعلق بقوله : " الغازي والولاة بالضم جمع والي " . 37 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : قلت لأبي أسامة : أحدثكم هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير قال : لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني ، فقمت إلى جنبه ، فقال يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم ، أو مظلوم ،وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما ، وإن من أكبر همي لديني أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا ؟ فقال : يا بني بع ما لنا فاقض ديني وأوصي بالثلث وثلثه لبنيه يعني عبد الله بن الزبير ، يقول : ثلث الثلث ، فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شيء فثلثه لولدك ، قال هشام : وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد ، وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات ، قال عبد الله : فجعل يوصيني بدينه ، ويقول : يا بني إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي ، قال : فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت : يا أبت من مولاك ؟ قال : الله ، قال : فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه ، فقتل الزبير رضي الله عنه ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة ودارا بالكوفة ودارا بمصر ، قال : وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير : لا ولكنه سلف ، فإني أخشى عليه الضيعة ، وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، أو مع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، قال عبد الله بن الزبير : فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف قال : فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال : يا ابن أخي كم على أخي من الدين فكتمه ، فقال مائة ألف فقال حكيم والله ما أرى أموالكم تسع [15/48] لهذه فقال له عبد الله : أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف ؟ قال :ما أراكم تطيقون هذا فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي ، قال : وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف ، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف ، ثم قام فقال : من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة ، فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربعمائة ألف ، فقال لعبد الله : إن شئتم تركتها لكم ، قال عبد الله : لا ، قال : فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم ، فقال عبد الله : لا ، قال : قال فاقطعوا لي قطعة ، فقال عبد الله : لك من هاهنا إلى هاهنا قال : فباع منها فقضى دينه ، فأوفاه ، وبقي منها أربعة أسهم ونصف ، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة فقال له معاوية : كم قومت الغابة ؟ قال : كل سهم مائة ألف ، قال : كم بقي ؟ قال أربعة أسهم ونصف ، قال المنذر بن الزبير : قد أخذت سهما بمائة ألف ، قال عمرو بن عثمان : قد أخذت سهما بمائة ألف ، وقال ابن زمعة : قد أخذت سهما بمائة ألف فقال معاوية : كم بقي ؟ فقال : سهم ونصف ، قال : أخذته بخمسين ومائة ألف ، قال : وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف ، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير : اقسم بيننا ميراثنا ، قال : لا والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين : ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه ، قال : فجعل كل سنة ينادي بالموسم ، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم . قال : فكان للزبير أربع نسوة ورفع الثلث ، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف ، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " وما ولي إمارة " إلى قوله : " وعثمان رضي الله تعالى عنه " ، وذلك أن البركة التي كانت في مال الزبير من كونه غازيا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم ، وكون البركة في حياته وبعد موته تظهر عند التأمل في قصته . ذكر رجاله وهم ستة ، الأول : إسحق بن إبراهيم بن مخلد ، يعرف بابن راهويه الحنظلي المروزي . الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة الليثي . الثالث : هشام بن عروة بن الزبير بن العوام . الرابع : عروة بن الزبير . الخامس : عبد الله بن الزبير . السادس : الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وحواري رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهاجر الهجرتين وأسلم ، وهو ابن ست عشرة سنة ، وهو أول من سل سيفا في سبيل الله ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع مع الاستفهام ، وهو قوله : " أحدثكم هشام " وفيه رواية الابن عن الأب ، ورواية الأخ عن الأخ ؛ لأن عروة وعبد الله أخوان ابنا الزبير بن العوام . ذكر رجال هذا الحديث : هذا من أفراد البخاري ، وذكره أصحاب الأطراف في مسند الزبير ، والأشبه أن يكون من مسند ابنه عبد الله ، وكله موقوف غير قوله : " وما ولي إمارة ولا جباية خراج ولا شيئا إلا أن يكون في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم " فهذا المقدار في حكم المرفوع ، ورواه الإسماعيلي عن جويرية ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا هشام عن أبيه عن عبد الله ، وروى الترمذي من حديث عروة قال : أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل ، فقال : ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى انتهى ذلك إلى فرجه . ورواه ابن سعد في طبقاته في قتل الزبير ، ووصيته بدينه [15/49] وثلث ماله عن أبي أسامة حماد بن أسامة نحو حديث البخاري وطوله ، غير أنه خالفه في موضع واحد ، وهو : " قوله أصاب كل امرأة من نسائه ألف ألف ومائة ألف " لا كما في البخاري : " مائتا ألف " وعلى هاتين الروايتين لا يصح قسمة خمسين ألف ألف ومائتي ألف على دينه ووصيته وورثته ، وإنما يصح قسمتها أن لو كان لكل امرأة ألف ألف ، فيكون الثمن أربعة آلاف ألف ، فتصح قسمة الورثة من اثنين وثلاثين ألف ألف ، ثم يضاف إليها الثلث ستة عشرة ألف ألف ، فتصير الجملتان ثمانية وأربعين ألف ألف ، ثم يضاف إليها الدين ألف ألف ، ومائتا ألف ، ومنها تصح ورواية ابن سعد تصح من خمسة وخمسين ألف ألف ، ورواية البخاري تصح من تسعة وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف ومائتي ألف ، فهذه تركته عند موته لا ما زاد عليها بعد موته من غلة الأرضين والدور في مدة أربع سنين قبل قسمة التركة ، ويدل عليه ما رواه الواقدي عن أبي بكر بن سبرة عن هشام عن أبيه قال : كان قيمة ما ترك الزبير أحدا وخمسين ، أو اثنين وخمسين ألف ألف ، وروى ابن سعد عن القعنبي عن ابن عيينة قال : قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف ، وذكر الزبير بن بكار عن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير في بني عدي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوج الزبير : أن عبد الله بن الزبير أرسل إليها بثمانين ألف درهم ، وقبضتها ، وصالحت عليها قال الدمياطي : وبين قول الزبير بن بكار هذا وبين قول غيره بون بعيد ، والعجب من الزبير مع سعة علمه فيه وتنفيره عنه – كيف خفي عليه وما تصدى لتحرير ذلك كما ينبغي ؟ ذكر بيان قصة وقعة الجمل ملخصة مختصرة كانت وقعة الجمل عام ستة وثلاثين من الهجرة ، وكان قتل عثمان بن عفان سنة خمس وثلاثين ، وكانت عائشة بمكة ، وكذلك أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في سنة خمس وثلاثين فرارا من الفتنة ، ولما بلغ أهل مكة أن عثمان قد قتل أقمن بمكة ثم لما بويع علي رضي الله تعالى عنه كان أحظى الناس عنده بحكم الحال ، لا عن اختيار علي لذلك رؤوس أولئك الذين قتلوا عثمان رضي الله تعالى عنه ، وفر جماعة من بني أمية وغيرهم إلى مكة ، وخرج طلحة والزبير في الاعتمار ، وتبعهم خلق كثير وجم غفير ، وقدم إلى مكة أيضا في هذه الأيام يعلى بن أمية ، ومعه ستمائة ألف ألف درهم وستمائة بعير ، فأناخ بالأبطح ، وقيل : كان معه ستمائة ألف دينار ، وقدم ابن عامر من البصرة بأكثر من ذلك ، فاجتمع بنو أمية بالأبطح وقامت عائشة في الناس تحضهم على القيام بطلب دم عثمان ، وطاوعوها في ذلك ، وخرجوا وتوجهوا نحو البصرة ، وكانت عائشة تحمل في هودج على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار ، وكان هذا هو الذي يدلهم على الطريق ، وكانوا لا يمرون على ماء ولا واد إلا سألوه عنه حتى وصلوا إلى موضع يسمى حوءب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الهمزة ، وفي آخره باء موحدة ، وهو ماء قريب من البصرة ، فنبحت كلابه ، فقالوا : أي ماء هذا قال الدليل هذا ماء الحوءب ، فحين سمعت عائشة بذلك صرخت بأعلى صوتها وضربت عضد بعيرها فأناخته ، فقالت : أنا والله صاحبة الحوءب ، ردوني ردوني تقول ذلك ، فأناخوا حولها وهم على ذلك ، وهي تأبى المسير حتى إذا كانت الساعة التي أناخت فيها من الغد ، جاءها عبد الله بن الزبير فقال : النجاء النجاء ، فقد أدرككم علي بن أبي طالب فعند ذلك رحلوا وأما حديث الحوءب فأخرجه أحمد في مسنده عن عائشة قالت : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ذات يوم كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوءب ، فعرفت الحال عند ذلك فأرادت الرجوع ، وأما علي رضي الله تعالى عنه ، فإنه خرج في آخر شهر ربيع الآخر في سنة ست وثلاثين من المدينة في تسعمائة مقاتل . وقيل : لما بلغ عليا مسير عائشة وطلحة وزبير إلى البصرة سار نحوهم في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم أربعمائة ممن بايعوا تحت الشجرة ، وثمانمائة من الأنصار ، ورايته مع ابنه محمد بن الحنفية ، وعلى ميمنته الحسن بن علي ، وعلى ميسرته الحسين بن علي ، وعلى الخيل عمار بن ياسر ، وعلى الرجالة محمد بن أبي بكر الصديق ، وعلى مقدمته عبد الله بن عباس ، ثم اجتمعوا كلهم عند قصر عبيد الله بن زياد ، ونزل الناس في كل ناحية ، وقد اجتمع مع علي رضي الله تعالى عنه عشرون ألفا ، والتفت على عائشة رضي الله تعالى عنها ومن معها نحو من ثلاثين ألفا ، وقامت الحرب على ساقها ، فتصافوا وتصاولوا وتجاولوا ، وكان من جملة من يبارز الزبير وعمار فحمل عمار نحوه بالرمح [15/50] والزبير كاف عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تقتلك الفئة الباغية " وقتل ناس كثير ورجع الزبير عن القتال ، وقال الواقدي : كان زمام الجمل بيد كعب بن سور ، وما كان يأخذ زمام الجمل إلا من هو معروف بالشجاعة ، ما أخذه أحد إلا قتل ، وحمل عليه عدي بن حاتم ، ولم يبق إلا عقره ، ففقئت عين عدي ، واجتمع بنو ضبة عند الجمل ، وقاتلوا دونه قتالا لم يسمع مثله ، فقطعت عنده ألف يد ، وقتل عليه ألف رجل منهم ، وقال ابن الزبير : جرحت على زمام الجمل سبعة وثلاثين جراحة ، وما أحد أخذ برأسه إلا قتل ، أخذه عبد الرحمن بن عتاب ، فقتل ، ثم أخذه الأسود بن البحتري ، فقتل ، وعد جماعة ، وغلب ابن الزبير من الجراحات فألقى نفسه بين القتلى ثم وصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين ، فجعلت تنادي الله الله يا بني ، اذكروا يوم الحساب ، ورفعت يديها تدعو على أولئك القوم من قتلة عثمان ، فضج الناس معها بالدعاء ، وأولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال ، حتى بقي مثل القنفذ ، فجعلت الحرب تأخذ وتعطي ، فتارة لأهل البصرة ، وتارة لأهل الكوفة ، وقتل خلق كثير ، ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة ، ثم حملت عليه السائبة والأشتر ، يقدمها ، وحمل بجير بن ولجة الضبي الكوفي ، وقطع بطانه وعقره ، وقطع ثلاث قوائم من قوائمه فبرك ووقع الهودج على الأرض ، ووقف عليها علي رضي الله تعالى عنه فقال : السلام عليك يا أماه ، فقالت وعليك السلام يا بني ، فقال : يغفر الله لك ، فقالت : ولك ، وانهزم من كان حوله من الناس ، وأمر علي رضي الله تعالى عنه أن يحملوا الهودج من بين القتلى وأمر محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر أن يضربا عليه قبة ، ولما كان آخر الليل ، خرج محمد بعائشة فأدخلها البصرة ، وأنزلها في دار عبد الله بن خلف الخزاعي ، وبكت عائشة بكاء شديدا ، وقالت : وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ، وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون عليها ، ثم إن عليا رضي الله تعالى عنه أقام بظاهر الكوفة ثلاثة أيام ، وصلى على القتلى من الفريقين ، وقال ابن الكلبي : قتل من أصحاب عائشة ثمانية آلاف ، وقيل : ثلاثة عشر ألفا ، ومن أصحاب علي ألف وقيل قتل من أهل البصرة عشرة آلاف ، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف ، وكان في جملة القتلى طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ثم دخل على البصرة يوم الإثنين ثم جهز عائشة أحسن الجهاز بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع ، وأخرج معها كل من نجا من الوقعة ممن خرج معها ، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ، ووقف علي معها حتى ودعها ، وكان خروجها يوم السبت غرة رجب سنة ست وثلاثين ، وشيعها علي أميالا ، وسرح بنيه معها يوما ، وقال الواقدي : أمر علي النساء اللاتي خرجن مع عائشة بلبس العمائم وتقليد السيوف ، ثم قال لهن لا تعلمنها أنكن نسوة وتلثمن مثل الرجال ، وكن حولها من بعيد ، ولا تقربنها ، وسارت عائشة على تلك الحالة حتى دخلت مكة ، وأقامت حتى حجت واجتمع إليها نساء أهل مكة يبكين ، وهي تبكي ، وسئلت عن مسيرها فقالت : لقد أعطى علي فأكثر ، وبعث معي رجالا ، وبلغ النساء فأتينها ، وكشفن عن وجوههن وعرفنها الحال فسجدت ، وقالت والله ما يزداد ابن أبي طالب إلا كرما . ذكر مقتل الزبير وبيان سيرته : لما انفصل الزبير رضي الله تعالى عنه من عسكر عائشة كما ذكرنا تبعه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس من غواة بني تميم ، وأدركوه وتعاونوا عليه فقتلوه ، ويقال : بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له : إن لي إليك حاجة ، فقال : ادن فقال مولى الزبير واسمه عطية : إن معه سلاحا فقال : وإن كان فتقدم إليه ، فجعل يحدثه ، وكان وقت الصلاة فقال له الزبير الصلاة الصلاة فقال الصلاة فتقدم الزبير ليصلي بهما ، فطعنه عمرو بن جرموز فقتله ويقال : بل أدركه عمرو بوادي السباع ، وهو نائم في القائلة ، فهجم عليه فقتله ، وهذا القول هو الأشهر ، وأخذ رأسه ، وذهب به إلى علي فقيل لعلي هذا ابن جرموز قد أتاك برأس الزبير ، فقال بشروا قاتل الزبير بالنار . فقال عمرو :
| أتيت عليا برأس الزبير | | وقد كنت أحسبها زلفتي | | فبشر بالنار قبل العيان | | فبئس البشارة والتحفة | | وسيان عندي قتل الزبير | | وضرطة عنزة بذي الجحفة |
[15/51] وأما سيرته فقد ذكرنا عن قريب أنه أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأنه شهد جميع مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه يوم بدر ملاءة صفراء ، فنزلت الملائكة على سيمائه ، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وبايعه على الموت ، وقال مصعب بن الزبير : قاتل أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره اثنا عشر سنة ، وقال الزبير بن بكار بإسناده عن الأوزاعي قال : كان للزبير ألف مملوك يودون الضريبة لا يدخل بيت ماله منها درهم بل يتصدق بها ، وقال الزبير بن بكار بإسناده عن جويرية قالت : باع الزبير دارا بستمائة ألف فقيل له غبنت ، فقال : كلا والله لتعلمن أنني لم أغبن هي في سبيل الله ، وروي عن هشام بن عروة فقال : أوصى إلى الزبير جماعة من الصحابة منهم عثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود والمقداد ، وكان يحفظ عليهم أموالهم وينفق على أولادهم من ماله ، وكان الزبير رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل إلى الخفة ما هو في اللحم ، ولحيته خفيفة ، أسمر اللون أشعر ، وحكى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : ربما أخذت بالشعر على منكب الزبير وأنا غلام ، فأتعلق به على ظهره ، وحكى أبو اليقظان عن هشام بن عروة قال : كان جدي الزبير إذا ركب تخط الأرض رجلاه ولا يغير شيبه . واختلفوا في سنه حكى ابن سعد عن الواقدي بإسناده إلى عروة بن الزبير قال : قتل أبي يوم الجمل ، وقد زاد على الستين بأربع سنين ، وحكى ابن الجوزي في الصفوة ثلاثة أقوال أحدها أنه قتل ، وهو ابن بضع وخمسين سنة ، والثاني ابن ستين سنة ، والثالث ابن خمسة وستين . ذكر معاني الحديث : قوله : " قلت لأبي أسامة : أحدثكم هشام بن عروة " لم يذكر جواب الاستفهام ، وقد ذكره في مسنده إسحق بن إبراهيم بن راهويه بهذا الإسناد ، وقال في آخره : نعم . قوله : " يوم الجمل " يعني يوم وقعة كانت بين علي وعائشة رضي الله تعالى عنهما ، وهي في هودج على جمل كما ذكرناه ، وكانت الوقعة على باب البصرة في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ، وإنما أضيفت الوقعة إلى الجمل ؛ لكون عائشة عليه ، وهذا الحرب كان أول حرب وقعت بين المسلمين . قوله : " لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم " ، قال ابن بطال : معناه ظالم عند خصمه مظلوم عند نفسه ؛ لأن كلا الفريقين كان يتأول أنه على الصواب ، وقال ابن التين معناه : أنهم إما صحابي متأول فهو مظلوم ، وإما غير صحابي قاتل لأجل الدنيا فهو ظالم ، وقال الكرماني : المراد ظالم أهل الإسلام هذا لفظ الكرماني في شرحه ، وقال بعضهم : قال الكرماني : إن قيل جميع الحروب كذلك ، فالجواب أنها أول حرب وقعت بين المسلمين ، ثم قال : قلت : ويحتمل أن يكون " أو " للشك من الراوي ، وأن الزبير إما قال : لا يقتل اليوم إلا ظالم بمعنى أنه ظن أن الله يعجل للظالم منهم العقوبة ، أو لا يقتل اليوم إلا مظلوم بمعنى أنه ظن أن يعجل له الشهادة ، وظن على التقديرين أنه كان يقتل مظلوما ؛ إما لاعتقاده أنه كان مصيبا ، وإما لأنه كان سمع من النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ما سمع علي رضي الله تعالى عنه ، وهو قوله لما جاءه قاتل الزبير : " بشر قاتل ابن صفية بالنار " ، ورفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كما رواه أحمد وغيره من طريق زرين حبيش عن علي بإسناد صحيح . انتهى . قلت : الأصل أن لا تكون " أو " للشك والاحتمال لا يثبت ذلك وكلمة " أو " على معناه للتقسيم هاهنا ؛ لأن المقتول يومئذ لم يكن إلا من أحد القسمين على ما ذكره ابن بطال ، وأيضا إنما أراد الزبير بقوله هذا أن تقاتل الصحابة ليس كتقاتل أهل البغي والعصبية ؛ لأن القاتل والمقتول منهم ظالم ؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " ؛ لأنه لا تأويل لواحد منهم يعذر به عند الله ، ولا شبهة له من الحق يتعلق بها ، فليس أحد منهم مظلوما ، بل كلهم ظالم ، وكان الزبير وطلحة وجماعة من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم خرجوا مع عائشة لطلب قتلة عثمان وإقامة الحد عليهم ، ولم يخرجوا لقتال علي ؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن عليا كان أحق بالإمامة من جميع أهل زمانه ، وكان قتلة عثمان لجئوا إلى علي رضي الله تعالى عنه ، فرأى علي أنه لا ينبغي إسلامهم للقتل على هذا الوجه حتى يسكن حال الأمة ، وتجري الأشياء على وجوهها حتى ينفذ الأمور على ما أوجب الله عليه ، فهذا وجه منع علي رضي الله عنه المطلوبين بدم عثمان ، فكان ما قدر الله مما جرى به القلم في الأمور التي وقعت ، وقال الزبير لابنه ما قال لما رأى من شدة الأمر ، وأنهم لا ينفصلون إلا عن تقاتل ، فقال : لا أراني إلا سأقتل مظلوما ؛ لأنه لم ينو على قتال ولا عزم عليه ، ولما التقى الجمعان فر ، فتبعه ابن جرموز فقتله في طريقه – كما ذكرنا . قوله: " وإني لأراني " بضم الهمزة أي لا أظن ، ويجوز بفتح الهمزة بمعنى لا أعتقد ، وقد [15/52] تحقق ظنه فقتل مظلوما . قوله : " لديني " اللام فيه مفتوحة للتأكيد ، وهو خبر أن ، ومعناه : ليس علي تبعة سوى ديني . قوله : " أفترى " على صيغة المجهول بهمزة الاستفهام ، أي أفتظن . قوله : " يبقي " بضم الياء من الإبقاء ، وقوله ديننا بالرفع فاعله ، وشيئا بالنصب مفعوله قوله : " وأوصى بالثلث " أي بثلث ماله مطلقا لمن شاء ولما شاء . قوله: " وثلثه لبنيه " أي وبثلث الثلث لبني عبد الله خاصة ، وقد فسره بقوله يعني بني عبد الله بن الزبير وهم حفدة الزبير . قوله : " فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شيء فثلثه لولدك " . قال المهلب معناه ثلث ذلك الفضل الذي أوصى به للمساكين من الثلث لبنيه ، وحكى الدمياطي عن بعض العلماء أن قوله : " فثلثه " بتشديد اللام على صيغة الأمر من التثليث يعني ثلث ذلك الفضل الذي أوصى به للمساكين من الثلث لبنيه ، قال بعضهم : هذا أقرب يعني من كلام المهلب ، وقال الدمياطي : فيه نظر يعني فيما حكاه عن بعض العلماء . قوله : " قال هشام " هو ابن عروة بن الزبير . قوله : " قد وازى " بالزاي المعجمة ، أي ساوى أي حاذاهم في السن ، وأنكر الجوهري استعمال هذا بالواو فقال : يقال آزيته أي حازيته ، ولا يقال : وازيته ، والذي جاء هنا حجة عليه . قوله : " خبيب " بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء أخرى روي مرفوعا على أنه بدل ، أو بيان لقوله للبعض في قوله : " وكان بعض ولد عبد الله " وروي مجرورا باعتبار الولد ، وقال بعضهم : يجوز جره على أنه بيان للبعض . قلت : هذا غلط ؛ لأن لفظ بعض في موضعين أحدهما ، وهو الأول مرفوع ؛ لأنه اسم كان ، والآخر منصوب ؛ لأنه مفعول قوله : وازى . قوله : " وعباد " بفتح العين وتشديد الباء الموحدة . قوله : " وله يومئذ " قال الكرماني : أي لعبد الله يوم وصية الزبير تسعة بنين أحدهم خبيب وعباد . قلت : ليس كذلك ، بل معنى قوله : " وله أي للزبير تسعة بنين وتسع بنات " ولم يكن لعبد الله يومئذ إلا خبيب وعباد وهاشم وثابت ، وأما سائر ولده فولدوا بعد ذلك أما تسعة بنين فهم عبد الله وعروة والمنذر أمهم أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وعمرو وخالد أمهما أم خالد بنت خالد بن سعيد ، ومصعب وحمزة أمهما الرباب بنت أنيف ، وعبيدة وجعفر أمهما زينب بنت بشر ، وسائر ولد الزبير غير هؤلاء ماتوا قبله . وأما التسع الإناث فهن خديجة الكبرى وأم الحسن وعائشة أمهن أسماء بنت أبي بكر ، وحبيبة وسودة وهند أمهن أم خالد ، ورملة أمها الرباب ، وحفصة أمها زينب وزينب أمها أم كلثوم بنت عقبة . قوله : " منها الغابة " بالغين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة ، قال الكرماني : اسم موضع بالحجاز . قلت : هذا ليس بتفسير واضح ، وتفسيرها أرض عظيمة شهيرة من عوالي المدينة ، وقال ياقوت : الغابة موضع بينه وبين المدينة أربعة أميال من ناحية الشام والغابة أيضا قرية بالبحرين ، وقال في كتاب الأمكنة والجبال للزمخشري : الغابة بريد من المدينة بطريق الشام ، وقال البكري : الغابة غابتان العليا والسفلى ، وقال الرشاطي : الغابة موضع عند المدينة ، والغابة أيضا في آخر الطريق من البصرة إلى اليمامة ، وفي المطالع الغابة مال من أموال عوالي المدينة ، وفي تركة الزبير كان اشتراها بسبعين ومائة ألف ، وبيعت في تركته بألف ألف وستمائة ألف ، وقد صحفه بعض الناس فقال : الغاية بالياء آخر الحروف ، وذلك غلط فاحش ، والغابة في اللغة الشجر الملتف والأجم من الشجر وشبهها . قوله : " فيقول الزبير لا " أي لا يكون وديعة ولكنه دين ، وهو معنى قوله : " سلف " وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع فيظن به التقصير في حفظه ، فرأى أن يجعله مضمونا ، وليكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته ، وقال ابن بطال : وليطيب له ربح ذلك المال . قوله : " وما ولي إمارة قط " بكسر الهمزة . قوله : " ولا جباية خراج " أي ولا ولي أيضا جباية خراج ولا شيئا أي ولا ولي شيئا من الأمور التي يتعلق بها تحصل المال ، أراد أن كثرة ماله ليس من هذه الجهات التي يظن فيها السوء بأصحابها ، وإنما كان كسبه من الغنائم مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ثم مع أبي بكر ثم مع عمر ثم مع عثمان رضي الله تعالى عنهم فبارك الله له في ماله لطيب أصله ، وربح أرباحا بلغت ألوف الألوف . قوله : " قال عبد الله بن الزبير " هو متصل بالإسناد المذكور . قوله : " فحسبت " بفتح السين من حسبت الشيء أحسبه بالضم حسابا وحسابة وحسبا وحسبانا بالضم أي عددته وأما حسبته بالكسر أحسبه بالفتح محسبة بفتح السين ومحسبة بكسر السين وحسبانا بكسر الحاء أي ظننته . قوله : " فلقي حكيم بن حزام " بالرفع على أنه فاعل " لقي " وعبد الله بن الزبير بالنصب مفعوله . قوله : " يا ابن أخي " إنما جعل الزبير أخا له باعتبار أخوة الدين قال [15/53] الكرماني أو باعتبار قرابة بينهما ؛ لأن الزبير بن العوام بن خويلد ابن عم حكيم قلت : حكيم بن حزام بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ، يكنى أبا خالد ، وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو من مسلمة الفتح ، وعاش في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين سنة ، وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة أربع وخمسين ، وهو ابن مائة وعشرين سنة ، والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ، فعلى هذا فالعوام يكون أخا حزام ، فيكون الزبير ابن عم حكيم ، قوله : " فكتمه " يعني كتم أصل الدين ، فقال : مائة ألف ، والأصل ألفا ألف ومائتا ألف ، قال الكرماني : ما كذب إذ لم ينف الزائد على المائة ، ومفهوم العدد لا اعتبار له ، وفي التوضيح : هذا ليس بكذب ؛ لأنه صدق في البعض وكتم بعضا ، وللإنسان إذا سئل عن خبر أن يخبر عنه بما شاء ، وله أن لا يخبر بشيء منه أصلا ، وقال ابن بطال : إنما قال له : مائة ألف ، وكتم الباقي ؛ لئلا يستعظم حكيم ما استدانه ، فيظن به عدم الحزم ، وبعبد الله عدم الوفاء بذلك ، فينظر إليه بعين الاحتياج إليه ، فلما استعظم حكيم أمره بمائة ألف احتاج عبد الله أن يذكر له الجميع ، ويعرفه أنه قادر على وفائه ، قوله : " تسع لهذه " : أي تكفي لوفاء مائة ألف قوله : " فقال له عبد الله " : أي فقال لحكيم عبد الله بن الزبير : أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف ، قوله : " فليوافنا " : أي فليأتنا ، يقال : وافى فلان إذا أتى ، قوله : " عبد الله بن جعفر " أي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بحر الجود والكرم . قوله : " فقال لعبد الله " : أي فقال عبد الله بن جعفر لعبد الله بن الزبير ، قوله : " قال عبد الله : لا " : أي قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن جعفر : لا نترك دينك ؛ فإنه ترك به وفاء ، قوله : " قال : قال " : أي قال عبد الله بن الزبير قال عبد الله بن جعفر قوله : " فقدم على معاوية : أي فقدم عبد الله بن الزبير على معاوية بن سفيان ، وهو في دمشق ، وقال بعضهم : فقدم على معاوية : أي في خلافته ، وهذا فيه نظر ؛ لأنه ذكر أنه أخر القسمة أربع سنين استبراء للدين كما سيأتي فيكون آخر الأربع في سنة أربعين ، وذلك قبل أن يجتمع الناس على معاوية . انتهى . قلت : هذا النظر إنما يتوجه بقوله : أي في خلافته ، فلا يحتاج إلى هذا ؛ لأنه قيد المطلق بغير وجه ، على أنه يجوز أن يكون قدومه عليه قبل اجتماع كل الناس عليه . قوله : " عمرو بن عثمان " بفتح العين في عمرو ، وهو عمرو بن عثمان بن عفان ، والمنذر بلفظ اسم الفاعل من الإنذار ، وهو التخويف ابن الزبير بن العوام أخو عبد الله بن الزبير ، قوله : " وابن زمعة " وهو عبد الله بن زمعة بالزاي والميم والعين المهملة المفتوحات ، وقيل : بسكون الميم ، وهو عبد الله بن زمعة بن قيس بن عبد شمس ، وهو أخو سودة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبيها ، قوله : " كل سهم مائة ألف " بنصب المائة بنزع الخافض ، أي قومت الغابة ، وجاء كل سهم بمائة ألف ، قوله : " قال لا " : أي لا أقسم والله ، وقوله : " لا أقسم " بعد ذلك تفسير لما قبله ، وليس فيه منع المستحق من حقه ، وهو القسمة والتصرف في نصيبه ؛ لأنه كان وصيا ، ولعله ظن بقاء الدين فالقسمة لا تكون إلا بعد وفاء الدين جميعه ، قوله : " بالموسم " : أي موسم الحج وسمي به لأنه معلم يجتمع الناس له ، والوسمة العلامة . قوله : " أربع سنين " فائدة تخصيص المناداة بأربع سنين هي أن الغالب أن المسافة التي بين مكة وأقطار الأرض تقطع بسنتين ، فأراد أن تصل الأخبار إلى الأقطار ثم تعود إليه ، أو لأن الأربع هي الغاية في الآحاد بحسب ما يمكن أن يتركب منه العشرات ؛ لأنه يتضمن واحدا واثنين وثلاثة وأربعة وهي عشرة . قوله : " أربع نسوة " : أي مات عنهن ، وهن أم خالد والرباب وزينب وعاتكة بنت زيد ، أخت سعيد بن زيد ، أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأما أسماء وأم كلثوم فكان قد طلقهما ، قوله : " ودفع الثلث " : أي الذي أوصى به . قوله : " فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف ألف " قد مر في أول الحديث الكلام فيه ، ولكن الكرماني ذكر هنا ما يرفع الخباط في الحساب فقال : فإن قلت : إذا كان الثمن أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف فالجميع ثمانية وثلاثون ألف ألف وأربعمائة ألف ، وإن أضفت إليه الثلث وهو خمسون ألف ألف وتسعة آلاف ألف وثمانمائة ألف ، فعلى التقادير الحساب غير صحيح . قلت : لعل الجميع كان قبل وفائه هذا المقدار ، فزاد من غلات أمواله في هذه الأربع سنين إلى ستين ألف ألف إلا مائتي ألف ، فيصح منه إخراج الدين والثلث ، ويبقى المبلغ الذي منها لكل امرأة منه ألف ألف ومائتا ألف . [15/54] ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الوصية عند الحرب لأنه سبب مخوف كركوب البحر ، واختلف لو تصدق حينئذ ، أو حرر ، هل يكون من الثلث ، أو من رأس المال ؟ وفيه أن للوصي تأخير قسمة الميراث حتى يوفي ديون الميت وينفذ وصاياه إن كان له ثلث ، ويؤخر القسمة بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده ، ولكن إذا وقع العلم بوفاء الدين وصمم الورثة على القسمة أجيب إليها ، فلا يتربص إلى أمر موهوم ، فإذا ثبت بعد ذلك شيء يؤخذ منهم ، وفيه جواز الوصية للأحفاد إذا كان من يحجبهم ، وفيه جواز شراء الوارث من التركة ، وكذلك شراء الوصي إذا كان بالقيمة ، وفيه أن الهبة لا تملك إلا بالقبض ، وفيه بيان جود عبد الله بن جعفر ، فلذلك سمي بحر الكرم ، وفيه إطلاق اللفظ المشترك لمن يظن به معرفة المراد ، والاستفهام لمن لم يتبين له ؛ لأن الزبير قال لابنه : استعن عليه بمولاي ، ولفظ المولى مشترك بين معان كثيرة ، فظن عبد الله أنه يريد بعض عتقائه ، فاستفهم فعرف مراده ، وفيه منزلة الزبير عند نفسه ، وأنه في تلك الحالة كان في غاية الوثوق بالله ، والإقبال عليه ، والرضا بحكمه والاستعانة به ، وفيه قوة نفس عبد الله بن الزبير لعدم قبوله ما سأله حكيم بن حزام من المعاونة ، وفيه كرم حكيم أيضا وسماحة نفسه ، وفيه أن الدين إنما يكره لمن لا وفاء له ، أو لمن يصرفه إلى غير وجهه ، وفيه النداء في ديون من يعرف بالدين ، وفيه النداء في المواسم ؛ لأنها مجمع الناس ، وفيه طاعة بني الزبير لأخيهم في تأخير القسمة لأجل الدين المتوهم ، وفيه ما كان عليه الصحابة من اتخاذ النساء ، وفيه أن أجل المفقود والغائب أربع سنين ، وبه احتج مالك ، وفيه نظر لا يخفى .
|
|
|