49 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن ابن أفلح ، عن أبي محمد مولى أبي قتادة ، عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ، فرأيت رجلا من المشركين علا رجلا من المسلمين فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل عاتقه ، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني ، فلحقت عمر بن الخطاب ، فقلت : ما بال الناس ؟ قال : أمر الله ، ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ، فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، ثم قال : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ، فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، ثم قال الثالثة مثله ، فقال رجل : صدق يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلبه عندي فأرضه عني ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لا ها الله ، إذا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يعطيك سلبه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق . فأعطاه ، فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام .

مطابقته للترجمة من حيث إن السلب الذي أخذه أبو قتادة لم يخمس ، وهذا الإسناد بعينه قد ذكر في كتاب البيوع في باب بيع السلاح في الفتنة فإنه أخرجه هناك مختصرا .
ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن أفلح هو عمرو بن كثير بن أفلح ، وأبو محمد هو نافع مولى أبي قتادة ، وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري .
وقد مر الكلام فيه هناك ومن أخرجه غيره ولطائف إسناده .
ذكر معناه قوله " عام حنين " ، وكان في السنة الثامنة من الهجرة ، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو منصرف ، قوله " جولة " أي بالجيم أي دوران واضطراب من جال يجول إذا دار ، قوله " فاستدرت " من الدوران ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية الأكثرين : فاستدبرت ، من الاستدبار .
قوله " على حبل عاتقه " وهو موضع الرداء من العنق ، وقيل : ما بين العنق والمنكب ، وقيل : هو عرق أو عصب هناك ، قوله " ما بال الناس " أي ما حال الناس منهزمين ، قوله " قال أمر الله " أي قال عمر : جاء أمر الله تعالى ، ويقال : معناه ما حالهم بعد الانهزام ؟ فقال : أمر الله غالب والعاقبة للمتقين .
قوله " رجعوا " أي بعد الانهزام ، قوله " لا ها الله إذا " كذا الرواية بالتنوين ، قال الخطابي : والصواب فيه " لا ها الله ذا " بغير ألف قبل الذال ، ومعناه : لا والله ، يجعلون الهاء مكان الواو بمعنى والله لا يكون ذا .
وقال المازري : معناه لا ها الله ذا يميني أو قسمي ، وقال أبو زيد : ذا زائدة ، وفي هذا لغتان المد والقصر ، قالوا : ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو ، وقالوا : ولا يجوز الجمع بينهما فلا يقال لا ها والله ، وقال أبو عثمان المازني : [15/69] من قال : " لا ها الله إذا " فقد أخطأ إنما هو " لا ها الله ذا " ، وقال الجوهري : ها للتنبيه ، وقد يقسم بها يقال : لا ها الله ما فعلت ، وقولهم " لا ها الله ذا " أن أصله لا والله هذا ، ففرقت بين ها وذا ، وتقديره لا والله ما فعلت هذا .
وقال الكرماني : المعنى صحيح على لفظ " إذا " يعني بالتنوين جوابا وجزاء ، وتقديره لا والله إذا صدق لا يكون أو لا يعمد ، ويروى برفع الله مبتدأ و " ها " للتنبيه ، و " لا يعمد " خبره قوله " يعمد " بالياء آخر الحروف وبالنون أيضا ، وكذلك يعطيك بالياء والنون أي لا يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل كالأسد يقاتل عن جهة الله ورسوله نصرة في الدين فيأخذ حقه ، قوله " يعطيك " أي لا يعطيك أيها الرجل المسترضي حق أبي قتادة ، لا والله كيف وهو أسد الله ؟
قوله " إلى أسد من أسد الله " الأول بفتحتين مفرد والثاني بضم الهمزة وسكون السين جمع أسد ، قوله " فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : صدق ، أي أبو بكر ، قوله " فأعطاه " أي فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة الدرع .
ومقتضى الظاهر أن يقول : فأعطاني ، فعدل إلى الغيبة التفاتا أو تجريدا وهو مفعول ثان والأول محذوف ، وإنما أعطاه بلا بينة لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لعله علم أنه القاتل بطريق من الطرق ، ولا يقال : إن أبا قتادة استحق السلب بإقرار من هو في يده لأن المال كان منسوبا إلى الجيش جميعهم فلا اعتبار لإقراره ، قوله " فابتعت به مخرفا " أي اشتريت بالدرع أي بثمنه إن كان باعه ، والمخرف بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء بعدها فاء وهو البستان ، وقيل : الحائط من النخل يخرف فيه الرطب أي يجتنى ، قوله " في بني سلمة " بكسر اللام ، قوله " تأثلته " أي جمعته وهو من باب التفعل فيه معنى التكلف مأخوذ من الأثلة وهو الأصل أي اتخذته أصلا للمال ، ومادته همزة وثاء مثلثة ولام ، يقال : مال مؤثل ومجد مؤثل أي مجموع ذو أصل .
( ذكر ما يستفاد منه ) احتج به من قال إن السلب من رأس الغنيمة لا من الخمس لأن إعطاءه صلى الله عليه وسلم أبا قتادة كان قبل القسمة لأنه نقله حين برد القتال ، وأجاب أصحابنا ومالك عنه ، فقال : هذا حجة لنا لأنه إنما قال ذلك بعد تقضي الحرب وقد حيزت الغنائم ، وهذه حالة قد سبق فيها مقدار حق الغانمين وهو الأربعة الأخماس على ما أوجبها الله لهم ، فينبغي أن يكون من الخمس .
وقال القرطبي : هذا الحديث أدل دليل على صحة مذهب مالك وأبي حنيفة ، وزعم من خالفنا أن هذا الحديث منسوخ بما قاله يوم حنين ، وهو فاسد لوجهين : الأول : أن الجمع بينهما ممكن فلا نسخ ، الثاني : روى أهل السير وغيرهم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوم بدر : من قتل قتيلا فله سلبه كما قاله يوم حنين .
وغايته أن يكون من باب تخصيص العموم ، وفيه أن " لا ها الله " يمين ، ولكنهم قالوا : إنه كناية إن نوى بها اليمين كانت يمينا وإلا فلا ، قلت : ظاهر الحديث يدل على أنه يمين ، وفيه جواز كلام الوزير ورد مسائل الأمير قبل أن يعلم جواب الأمير كما فعله أبو بكر رضي الله تعالى عنه حين قال : " لا ها الله " ، وفيه إذا ادعى رجل أنه قتل رجلا بعينه وادعى سلبه هل يعطى له ؟ فقالت طائفة : لا بد من البينة ، فإن أصاب أحدا فلا بد أن يحلف معه ويأخذه .
واحتجوا بظاهر هذا الحديث ، وبه قال الليث والشافعي وجماعة من أهل الحديث .
وقال الأوزاعي : لا يحتاج إليها ويعطى بقوله ، وفيه من استدل به على دخول من لا سهم له في عموم قوله " من قتل قتيلا " ، وعن الشافعي : لا يستحق السلب إلا من استحق السهم ، وبه قال مالك لأنه إذا لم يستحق السهم ، فلأن لا يستحق السلب بالطريق الأولى ورد بأن السهم علق على المظنة ، والسلب يستحق بالفعل فهو أولى وهذا هو الأصح .
وفيه أن السلب مستحق للقاتل الذي أثخنه بالقتل دون من وقف عليه .
وفيه أن السلب مستحق للقاتل من كل مقتول حتى لو كان المقتول امرأة ، وبه قال أبو ثور وابن المنذر ، وقال الجمهور : شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة .
وقال ابن قدامة : ويجوز أن يسلب القتلى ويتركهم عراة . قاله الأوزاعي ، وكرهه الثوري وابن المنذر .