باب ما جاء في سبع أرضين

هذا باب في بيان ما جاء في وضع سبع أرضين .
وقول الله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَـزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا

وقول " الله " بالجر عطفا على قوله " في سبع أرضين " ، قوله " الله " مبتدأ ، و " الَّذِي خَلَقَ " خبره ، قوله " سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ " في العدد ، قيل : ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية .
وقال الداودي : فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات ليس بينها فرجة ، وحكى ابن التين عن بعضهم أن الأرض واحدة ، قال : وهو مردود بالقرآن والسنة ، وروى البيهقي عن أبي الضحى عن مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدمكم ، ونوح كنوحكم ، وإبراهيم كإبراهيمكم ، وعيسى كعيسى ، ثم قال : إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح ، وهو شاذ بمرة ، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا .
وروى ابن أبي حاتم من طريق محمد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم ، وكفركم تكذيبكم بها ، وقد روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام ، وأن سمك كل سماء كذلك ، وأن بين كل أرض [15/112] وأرض خمسمائة عام .
وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه ، فإن قلت : روى أبو داود والترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه مرفوعا : بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة ، قلت : يجمع بينهما بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته ، وفي تفسير النسفي : وقيل : إن المراد بقوله " سبع أرضين " الأقاليم السبعة والدعوة شاملة جميعها ، وقيل : إنها سبع أرضين متصلة بعضها ببعض ، والحائل بين كل أرض وأرض بحار لا يمكن قطعها ولا الوصول إلى الأرض الأخرى ولا تصل الدعوة إليهم ، قوله " لِتَعْلَمُوا " اللام تتعلق بخلق ، وقيل : بـ " يَتَنَـزَّلُ " والأول أقرب ، وأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما ، لا يخفى عليه شيء ، و" علما " مصدر من غير لفظ الفعل أي قد علم كل شيء علما .
والسقف المرفوع السماء .

هذه حكاية عما في سورة الطور ، وهو وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ فقوله وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ بالرفع مبتدأ ، وقوله " السماء " خبره ، وهو تفسيره .
كذا فسره مجاهد ، رواه ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي نجيح عنه ، ويجوز بالجر على طريق الحكاية عما في سورة الطور ، سمى السماء سقفا لأنها للأرض كالسقف للبيت وهو يقتضي الرد على من قال : إن السماء كرية ، لأن السقف في اللغة العربية لا يكون كريا ، وفيه نظر .
سمكها بناءها .

أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا في والنازعات ، وهنا سمكها مرفوع على الابتداء وخبره قوله " بناؤها " ويجوز بالنصب على الحكاية ، وقوله رَفَعَ سَمْكَهَا أي بناءها يعني رفع بنيانها ، والسمك بفتح السين المهملة وسكون الميم ، وهكذا فسره ابن عباس . رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عنه .
الحبك استواؤها وحسنها .

أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ويجوز في الحبك الرفع على الابتداء وخبره " استواؤها " ، ويجوز الجر على الحكاية ، والتفسير الذي فسره رواه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب ، عن يزيد ، عن سعيد بن جبير ، عنه .
و" الحبك " بضمتين جمع " حبيكة " كطرق جمع طريقة وزنا ومعنى ، وقيل : واحدها حباك كمثال ، وقيل : الحبك الطرائق التي ترى في السماء من آثار الغيم ، وروى الطبري عن الضحاك نحوه ، وقيل : هي النجوم . أخرجه الطبري بإسناد حسن عن الحسن ، وروى الطبري عن عبد الله بن عمرو أن المراد بالسماء هنا السماء السابعة .
وأذنت سمعت وأطاعت .

أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ورواه هكذا ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا أي أطاعت ، ومن طريق الضحاك : أي سمعت ، قال النسفي : وحقيقته من أذن الشيء إذا أصغى إليه أذنه للاستماع ، والسماع يستعمل للإسعاف والإجابة ، كذلك الإذن أي أجابت لربها إلى الانشقاق وما أراده منها .
وألقت أخرجت ما فيها من الموتى وتخلت عنهم .

أشار إلى قوله تعالى بعد قوله وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وحقت أي حق لها أن تطيع ، و" ألقت " أي طرحت ما فيها ، و" مدت " من مد الشيء فامتد وهو أن تزول جبالها وآكامها وكل أمة فيها حتى تمتد وتنبسط ويستوي ظهرها ، و" تخلت " أي خلت غاية الخلو حتى لا يبقى في بطنها شيء كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو .
[15/113] طحاها دحاها .

أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى : وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا وأراد بقوله " دَحَاهَا " تفسير قوله " طَحَاهَا " ، وهكذا فسره مجاهد ، أخرجه عنه عبد بن حميد .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس والسدي وغيرهما " دَحَاهَا " أي بسطها من الدحو وهو البسط ، يقال : دحا يدحو ويدحي أي بسط ووسع .
بِالسَّاهِرَةِ وجه الأرض كان فيها الحيوان نومهم وسهرهم .

أشار بهذا إلى ما في قوله تعالى فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ أي وجه الأرض ، ولعله سمي بها لأن نوم الخلائق وسهرهم فيها ، هكذا فسره عكرمة ، أخرجه عنه ابن أبي حاتم ، وأخرج أيضا من طريق مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد في قوله تعالى فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ قال : أرض بيضاء عفراء كالخبزة .
وعن ابن أبي حاتم : المراد بها أرض القيامة ، وقال النسفي : قيل : هذه الساهرة جبل عند بيت المقدس ، وقال أبو العالية : فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ بالصقع الذي بين جبل حسبان وجبل أريحا .
5 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : أخبرنا ابن علية ، عن علي بن المبارك ، قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وكانت بينه وبين أناس خصومة في أرض ، فدخل على عائشة فذكر لها ذلك ، فقالت : يا أبا سلمة ، اجتنب الأرض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين .

مطابقته للترجمة في قوله " من سبع أرضين " ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وابن علية اسمه إسماعيل بن إبراهيم ، وعلية اسم أمه ، وقد مر غير مرة .
والحديث قد مضى في المظالم في باب إثم من ظلم شيئا من الأرض ، فإنه أخرجه هناك عن أبي معمر عن عبد الوارث عن حسين عن يحيى بن أبي كثير إلى آخره .
قوله " قيد شبر " بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف وهو المقدار ، قوله " طوقه " على صيغة المجهول ، ومعنى التطويق أن يخسف الله به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه يوم القيامة كالطوق ، وقيل : هو أن يطوق حملها يوم القيامة أي يكلف لا من طوق التقليد بل من طوق التكليف .