[1/116] فصل
قال البخاري :
19 - باب
إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة
وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل
لقوله عز وجل : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا
فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقوله : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ


معنى هذا الكلام أن الإسلام يطلق باعتبارين :
أحدهما : باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وقال : وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
والثاني : باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين .
واستدل بقوله تعالى : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وحمله على الاستسلام خوفا وتقية .
وهذا مروي عن طائفة من السلف ، منهم مجاهد ، وابن زيد ، ومقاتل بن حيان وغيرهم .
[1/117] وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي كما رجحه البخاري ؛ لأنهما لا يفرقان بين الإسلام والإيمان ، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر .
وهو اختيار ابن عبد البر ، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود .
وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية على الفرق بينهما ، ويقول : نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام ، كما نفى الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي .
وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس وقتادة والنخعي ، وروي عن ابن زيد معناه أيضا . وهو قول الزهري وحماد بن زيد وأحمد ، ورجحه ابن جرير وغيره .
واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان .
وكذا قال قتادة في هذه الآية ، قال : قُولُوا أَسْلَمْنَا شهادة أن لا إله إلا الله ، وهو دين الله ، والإسلام درجة ، والإيمان تحقيق في القلب ، والهجرة في الإيمان درجة ، والجهاد في الهجرة درجة ، والقتل في سبيل الله درجة .
خرجه ابن أبي حاتم .
فجعل قتادة الإسلام الكلمة ، وهي أصل الدين ، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب ، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم ، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم .
[1/118] ويدل عليه قوله تعالى : وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا
واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما ؛ فقالت طائفة : الإسلام كلمة الشهادتين والإيمان العمل ، وهذا مروي عن الزهري وابن أبي ذئب ، وهو رواية عن أحمد ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه .
ويشبه هذا قول ابن زيد في تفسير هذه الآية ، قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم ، فرد الله عليهم ، وقال : لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا فقال : الإسلام إقرار ، والإيمان تصديق .
وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث .
وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد ، وقال : الصحيح أن مذهبه أن الإسلام قول وعمل رواية واحدة ، ولكن لا تدخل كل الأعمال في الإسلام كما تدخل في الإيمان .
وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة ، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام ، وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام .
كذا قال ، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة ، فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا .
والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا .
وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص ، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة .
[1/119] هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي ، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار ، وطعن فيه
. وروي عن حماد بن زيد نحو هذا أيضا .
وحكي رواية عن أحمد أيضا ؛ فإنه قال في رواية الشالنجي في مرتكب الكبائر : يخرج من الإيمان ، ويقع في الإسلام .
ونقل حنبل عن أحمد معناه .
وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره ، وهي اختيار أبي عبد الله ابن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب .
وقالت طائفة : الفرق بين الإسلام والإيمان أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب ، فهو علم القلب وعمله ، والإسلام الخضوع والاستسلام والانقياد ؛ فهو عمل القلب والجوارح .
وهذا قول كثير من العلماء ، وقد حكاه أبو الفضل التميمي عن أصحاب أحمد ، وهو قول طوائف من المتكلمين .
لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام ، وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها في الإسلام ، كما سبق .
فلهذا قال كثير من العلماء : إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران ؛ فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه ، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ .
وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان ، ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما ، وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمان المنفرد [1/120] بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل .
وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة ، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص ، والله أعلم .
والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن الحسن ، وابن سيرين ، وشريك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيي بن معين ، ومؤمل بن إهاب . وحكي عن مالك أيضا ، وقد سبق حكايته عن قتادة ، وداود بن أبي هند ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، وحماد بن زيد ، وأحمد ، وأبي خيثمة . وكذلك حكاه أبو بكر ابن السمعاني عن أهل السنة والجماعة جملة .
فحكاية ابن نصر وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد ، بل قد قيل : إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق ، والله أعلم .