41 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني عروة أن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثته أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ، قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلم علي ، ثم قال : يا محمد ، فقال ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا .

الحديث أخرجه البخاري أيضا في التوحيد ، عن عبد الله بن يوسف أيضا . وأخرجه مسلم في المغازي ، عن أبي الطاهر بن السرح ، وحرملة بن يحيى ، وعمرو بن سواد ، وأخرجه النسائي في النعوت عن أبي الطاهر به .
قوله : " يوم أحد " [15/142] هو يوم غزوة أحد كانت في سنة ثلاث من الهجرة . قوله : " يوم العقبة " هي التي تنسب إليها جمرة العقبة ، وهي بمنى . قوله : " إذ عرضت نفسي " أي حين عرضت نفسي كان ذلك في شوال في سنة عشر من المبعث ، وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة - رضي الله تعالى عنها - وذكر موسى بن عقبة في المغازي ، عن ابن شهاب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤوه ، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم ساداتهم ، وهم أخوة عبد ياليل ، وحبيب ومسعود بنو عمرو ، فعرض عليهم نفسه ، وشكا إليهم ما انتهك منه قومه ، فردوا عليه أقبح رد . قوله : " على ابن عبد ياليل " بالياء آخر الحروف وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره لام ابن عبد كلال ، بضم الكاف وتخفيف اللام ، وفي آخره لام ، واسم عبد ياليل كنانة ، ويقال : مسعود ، وفي الجمهرة للكلبي عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن عفرة بن عوف بن ثقيف ، والمذكور هنا أنه - صلى الله عليه وسلم - عرض نفسه على ابن عبد ياليل ، والذي في المغازي أن الذي كلمه هو عبد ياليل نفسه ، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه ، وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف ، وقد روى عبد بن حميد في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى : عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قال : نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي ، وعن ابن سعد كانت إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطائف عشرة أيام ، وذكر ابن إسحاق وابن عقبة أن كنانة بن عبد يا ليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر ، فأسلموا ، وذكر أبو عمر في الصحابة كذلك ، وذكر المدايني أن الوفد أسلموا إلا كنانة ، فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك ، والله أعلم .
قوله : " على وجهي " متعلق بقوله انطلقت ، أي على الجهة المواجهة لي . قوله : " بقرن الثعالب جمع الثعلب الحيوان المشهور ، وهو موضع بقرب مكة ، وقال النووي : هو ميقات أهل نجد . ويقال له : قرن المنازل بفتح الميم ، ويقال : هو على مرحلتين من مكة ، وأصل القرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير ، وقال عياض : يقال فيه قرن غير مضاف على يوم وليلة من مكة ، قال : ورواه بعضهم بفتح الراء ، وهو غلط .
وقال القابسي : من سكن الراء أراد الجبل المشرف على الموضع ، ومن فتحها أراد الطريق الذي يتفرق منه ، فإنه موضع فيه طرق متفرقة . قوله : " ملك الجبال " أي بعث الله إليك ملك الجبال ، وهو الملك الذي سخر الله له الجبال ، وجعل أمرها بيده . قوله : " ذلك " مبتدأ وخبره محذوف ، أي ذلك كما قال جبريل ، أو كما سمعت منه ، أو المبتدأ محذوف ، أي الأمر ذلك . قوله : " فيما شئت " كلمة ما فيه استفهامية وجزاء . قوله : " إن شئت مقدر " أي إن شئت لفعلت . قوله : " ذلك فيما شئت إن شئت " كذا هو في رواية أبي ذر عن شيخه ، وروى عن الكشميهني مثله إلا أنه قال : فما شئت ، وروى الطبراني عن مقدام بن داود ، عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري ، فقال : يا محمد ، إن الله بعثني إليك ، وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك ، فما شئت إن شئت . قوله : " أن أطبق " أي بأن أطبق ، وأن مصدرية تقديره : لفعلت بإطباق الأخشبين عليهم ، والأخشبان بالخاء والشين المعجمتين هما جبلا مكة أبو قبيس ، والذي يقابله قيقعان ، وقال الصغاني : بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قيقعان ، ووهم من قال ثور . ( قلت ) : الذي قال الأخشبان أبو قبيس ، وثور هو الكرماني ، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما ، يقال : رجل أخشب إذا كان صلب العظام عاري اللحم ، والمراد من قوله : " أن أطبق عليهم " أن يلتقيا على من بمكة فيصيران كطبق واحد عليهم . قوله : " بل أرجو " كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : أنا أرجو . قوله : " أن يخرج الله " بضم الياء من الإخراج . قوله : " من يعبد الله " في محل النصب ؛ لأنه مفعول يخرج . قوله : " يعبد الله " أي يوحده . قوله : " لا يشرك به شيئا " تفسيره .