55 - حدثنا محمد بن مقاتل ، قال : أخبرنا عبد الله ، قال : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ، ولا يمتخطون ، ولا يتغوطون ، آنيتهم فيها الذهب ، أمشاطهم من الذهب والفضة ، ومجامرهم الألوة ، ورشحهم المسك ، ولكل واحد منهم زوجتان ، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب واحد ، يسبحون الله بكرة وعشيا .

عبد الله هو ابن المبارك ، والحديث أخرجه الترمذي في صفة الجنة أيضا عن سويد بن نصر ، عن ابن المبارك أيضا ، وقال : حديث صحيح .
قوله : " أول زمرة " أي جماعة . قوله : " تلج " أي تدخل ، من ولج يلج ولوجا . قوله : " صورتهم على صورة القمر ليلة البدر " أي في الإضاءة ، وسيأتي في الرقاق بلفظ : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا ، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر ، ويجيء هنا في الرواية الثانية ، والذين على آثارهم كأشد كوكب إضاءة . قوله : " لا يبصقون " من البصاق ، ولا يمتخطون من المخاط ، ولا يتغوطون من الغائط ، وهو كناية عن الخارج من السبيلين جميعا ، وزاد في صفة آدم : لا يبولون ، ولا يتفلون ، ويأتي في الرواية الثانية : ولا يسقمون ، وفي رواية مسلم من حديث جابر : يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ، طعامهم ذلك جشاء كريح المسك ، وفي رواية النسائي من حديث زيد بن أرقم قال : جاء رجل من أهل الكتاب ، فقال : يا أبا القاسم ، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ قال : نعم إن أحدكم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع ، قال : الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة ، وليس في الجنة أذى ، قال : تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك . وقال الطبري : السائل ثعلبة بن الحارث . قوله : " آنيتهم الذهب " وفي الرواية التي تأتي والفضة ، وقال في الأمشاط عكس ذلك ، فكأنه اكتفى في الموضعين بذكر أحدهما عن الآخر . قوله : " أمشاطهم " جمع مشط وهو مثلث الميم ، والأفصح ضمها . قوله : " ومجامرهم " جمع مجمرة ، وهي المبخرة سميت مجمرة ؛ لأنها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور ، ومجامرهم مبتدأ والألوة خبره ، ويفهم منه نفس العود ، ولكن في الرواية الثانية : وقود مجامرهم الألوة ، فعلى هذا يكون المضاف هنا محذوفا . وقال الكرماني : في الجنة نفس المجمرة هي العود .
( قلت ) : فعلى هذا يكون المعنى وعودهم الألوة ، فإذا كان الألوة عودا يكون الحمل غير صحيح ؛ لأن المحمول يكون غير الموضوع ، وقال الطيبي : المجامر جمع مجمرة بكسر الميم ، وهو الذي يوضع النار فيه للبخور ، وبالضم هو الذي يتبخر به ، وأعد له الجمر ، ثم قال : والمراد في الحديث هو الأول ، وفائدة الإضافة أن الألوة هي الوقود نفسه بخلاف المتعارف .
فإن وقودهم غير الألوة ، وقيل : المجامر جمع ، والألوة مفرد ، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر ، وأجيب بأن الألوة جنس ، وهو بضم الهمزة وفتحها وضم اللام وتشديد الواو ، وهو العود الذي يتبخر به ، وروي بكسر اللام أيضا وهو معرب ، وحكى ابن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو ، والهمزة أصلية ، وقيل : زائدة .
( فإن قلت ) : إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار ، والجنة لا نار فيها .
( قلت ) : يحتمل أن يشتعل بغير نار ، ويحتمل أن يكون بنار لا ضرر فيها ولا إحراق ولا دخان ، وقيل : تفوح بغير إشعال ويشابه ذلك ما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا : أن الرجل في الجنة ليشتهي الطير فيخر بين يديه مشويا .
( فإن قلت ) : أي حاجة لهم إلى المشط وهم مرد ، وشعورهم لا تنسخ ، وأي حاجة لهم إلى [15/155] البخور ، وريحهم أطيب من المسك .
( قلت ) : نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم جوع أو ظمأ أو عري أو نتن ، وإنما هي لذات مترادفة ، ونعم متوالية ، والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في دار الدنيا .
وقال النووي : مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا ، إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة ، ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له . قوله : " ورشحهم المسك " أي عرقهم كالمسك في طيب الرائحة . قوله : " زوجتان " أي من نساء الدنيا ، ويؤيد هذا ما رواه أحمد من وجه آخر ، عن أبي هريرة مرفوعا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة ، وأن له من الحور العين ثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا ، وقال الطيبي : الظاهر أن التثنية يعني في قوله زوجتان للتكرير لا للتحديد ، كقوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ؛ لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور العين .
( قلت ) : فيه نظر لا يخفى ، وقيل : يجوز أن يكون يراد به نحو لبيك وسعديك ، فإن المراد تلبية بعد تلبية ، وليس المراد نفس التثنية ، أو يكون باعتبار الصنفين نحو زوجة طويلة ، والأخرى قصيرة ، أو إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة ، قيل : استدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال .
( فإن قلت ) : يعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الكسوف " رأيتكن أكثر أهل النار " .
( قلت ) : أجيب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار ، ففي أكثريتهن في الجنة .
( فإن قلت ) : يشكل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر " اطلعت في الجنة ، فرأيت أقل ساكنيها النساء " .
( قلت ) : قد ذكرنا فيما مضى عن قريب أن هذا كان قبل الشفاعة ، ثم قوله زوجتان بالتاء ، وهي لغة كثرت في الحديث ، والأشهر خلافها ، وبه جاء القرآن ، وهو الأفصح مع أن الأصمعي كان ينكر التاء ، ولكن رد عليه أبو حاتم السجستاني بشواهد ذكرها . قوله : " يرى مخ سوقهما من وراء اللحم " المخ بضم الميم وتشديد الخاء المعجمة : ما في داخل العظم لا يستتر بالعظم واللحم والجلد ، وفي رواية الترمذي : ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها ، وفي رواية أحمد من رواية أبي سعيد : ينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة ، وسوق بضم السين جمع ساق ، وكلمة " من " في من الحسن ، يجوز أن تكون للتعليل وأن تكون بيانية . قوله : " لا اختلاف بينهم " أي بين أهل الجنة ، ولا تباغض لصفاء قلوبهم ونظافتها من الكدورات . قوله : " قلوبهم " مرفوع على الابتداء ، وخبره قلب واحد بالإضافة في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي واحد مرفوع على أنه صفة لقلب ، وأصله على التشبيه ، حذفت أداته ، أي كقلب رجل واحد . قوله : " يسبحون الله بكرة وعشيا " هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام ، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم ، بقوله يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس ، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه ، ولا بد له منه ، فجعل تنفسهم تسبيحا ، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه وتعالى ، وامتلأت بحبه ، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره .
( فإن قلت ) : لا بكرة ولا عشية إذ لا طلوع ولا غروب .
( قلت ) : المراد منه مقدارهما ، أو دائما يتلذذون به ، قاله الكرماني .
( قلت ) : إذا تلذذوا به دائما يبقى .
قوله : " بكرة وعشيا " بلا فائدة ، والظاهر أن تسبيحهم يكون في هذين الوقتين .
( فإن قلت ) : كيف يعرفون هذين الوقتين بلا ليل ولا نهار .
( قلت ) : قد قيل إن تحت العرش ستارة معلقة تطوى وتنشر على يد ملك ، فإذا طواها يعلمون أنهم لو كانوا في الدنيا كان هذا نهارا وإذا أسبلها يعلمون أنهم لو كانوا في الدنيا كان ليلا وانتصاب بكرة وعشيا على الظرفية .