14 - حدثني إسحاق بن نصر ، حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا أبو حيان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوة ، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ، فنهس منها نهسة ، وقال : أنا سيد الناس يوم القيامة ، هل تدرون بمن يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي ، وتدنو منهم الشمس فيقول بعض الناس : ألا ترون إلى ما أنتم فيه إلى ما بلغكم ، ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس : أبوكم آدم فيأتونه فيقولون : يا آدم ، أنت أبو البشر خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا لك ، وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا ؟ فيقول : ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، ونهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح ، فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك الله عبدا شكورا ، أما ترى إلى ما نحن فيه ، ألا ترى إلى ما بلغنا ؟ ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ فيقول : ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب بعده مثله نفسي نفسي ، ائتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيأتوني ، فأسجد تحت العرش فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، واشفع تشفع ، وسل تعطه . قال محمد بن عبيد : لا أحفظ سائره .

مطابقته للترجمة في قوله : فيقولون : يا نوح ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وإسحاق بن نصر هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي البخاري ، وكان ينزل بالمدينة بباب سعد ، فالبخاري تارة يقول : حدثنا إسحاق بن نصر ، فينسبه إلى جده ، وتارة يقول : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر ، فينسبه إلى أبيه ، وهو من أفراده ، ومحمد بن عبيد الطنافسي الحنفي الإيادي الأحدب الكوفي ، وأبو حيان بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف يحيى بن سعيد بن حيان التيمي ، وأبو زرعة بضم الزاي وسكون الراء وبالعين المهملة ، واسمه هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن محمد بن مقاتل ، وهنا عن إسحاق بن نصر ، عن أبي أسامة ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير ، وأخرجه الترمذي في الزهد ، عن سويد بن نصر ، وفي الأطعمة عن واصل بن عبد الأعلى ، وأخرجه النسائي في الوليمة عن واصل بن عبد الأعلى مختصرا ، وفي التفسير بطوله عن يعقوب بن إبراهيم ، وأخرجه ابن ماجه في الأطعمة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن علي بن محمد .
قوله : " في دعوة " بفتح الدال : أي في ضيافة ، وبكسرها في النسب وبضمها في الحرب ، قوله : " فرفع إليه الذراع " ، قال ابن التين : والصواب رفعت ، وكذا في الأصول رفعت إلا أنه جاء في المؤنث الذي لا فرج له أنه يجوز تذكيره ، والذراع مؤنثة ، ولذلك قال : وكانت تعجبه قال : وهذا على ما في بعض النسخ بضم الذراع ، وأما بنصبها فبين ، ويكون رسول الله هو رافعها ، قوله : " تعجبه " : أي كانت الذراع تعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إعجابه لها ومحبته لها لنضجها ، وسرعة استمرائها ، مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها ، وبعدها عن مواضع الأذى ، قوله : " فنهس " أكثر الرواة على إهمالها ، وفي رواية ابن ماهان ، وأبي ذر بالإعجام ، وكلاهما صحيح ، فالنهس بالمهملة الأخذ [15/221] بأطراف الأسنان ، وبالمعجمة الأخذ بالأضراس ، وقال القزاز : النهس أخذ اللحم بالأسنان بالفم ، وقيل : هو القبض على اللحم ونثره عند أكله ، وقال الأصمعي : هما واحد وهو أخذ اللحم بالفم ، وخالفه أبو زيد ، فذكر ما ذكرناه ، قوله : " أنا سيد القوم يوم القيامة " : أي الذي يفوق قومه ، ويفزع إليه في الشدائد ، وخص يوم القيامة لارتفاع سؤدده ، وتسليم جميعهم له ، ولكون آدم وجميع ولده تحت لوائه ، ذكره عياض .
وقال الكرماني : وتقييد سيادته بيوم القيامة لا ينافي السيادة في الدنيا ، وإنما خصه به ؛ لأن هذه القصة قصة يوم القيامة ، قلت : إذا كان هو سيدا يوم القيامة ، وهو أعظم من الدنيا فبالأولى أن يكون سيدا في الدنيا أيضا .
( فإن قلت ) قال - صلى الله عليه وسلم - : " لا تخيروا بين الأنبياء ، وقال : لا تفضلوني على يونس عليه الصلاة والسلام " قلت : أجيب كان هذا قبل إعلامه بسيادة ولد آدم ، والفضائل لا تنسخ إجماعا ، فبقيت القبلية أو الذي قال في يونس من باب التواضع ، وقد قيل : إن المنع في ذات النبوة والرسالة ، فإن الأنبياء فيها على حد واحد إذ هي شيء واحد لا تتفاضل ، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والكرامات والرتب والألطاف ، قوله : " في صعيد واحد " : أي أرض واسعة مستوية ، قوله : " فيبصرهم الناظر " : أي يحيط بهم بصر الناظر ، لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب .
ويروى : " فينفذهم البصر " بفتح الياء وبالذال المعجمة على الأكثرين ، ويروى بضم الياء ، وقال أبو عبيد : معناه ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم ، قلت : هو كناية عن استيعابهم بالعلم ، والله لا يخفى عليه شيء ، والصواب قول من قال : " فيبصرهم الناظر من الخلق " .
وعن أبي حاتم إنما هو بدال مهملة : أي يبلغ أولهم وآخرهم ، وقال ابن الأثير : والصحيح فتح الياء مع الإعجام ، قوله : " ويسمعهم " بضم الياء من الإسماع ، قوله : " إلى ما بلغكم " بدل من قوله : " إلى ما أنتم فيه " ، قوله : " ألا تنظرون " كلمة ألا في الموضعين للعرض والتحضيض ، وهي بفتح الهمزة وتخفيف اللام ، قوله : " من روحه " الإضافة إلى الله لتعظيم المضاف وتشريفه كقولهم عبد الخليفة كذا . قوله : " وما بلغنا " بفتح الغين المعجمة هو الصحيح ؛ لأنه تقدم ما بلغكم ، ولو كان بسكون الغين لقال بلغهم ، وقيل : بالسكون وله وجه .
قوله : " ربي غضب " المراد من الغضب لازمه ، وهو إرادة إيصال العذاب ، وقال النووي : المراد من غضب الله ما يظهر من انتقامه فيمن عصاه وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها ، ولا شك أنه لم يقع قبل ذلك اليوم مثله ولا يكون بعده مثله .
قوله : " نفسي نفسي " : أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها إذ المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد بعض لوازمه أو قوله : " نفسي " مبتدأ والخبر محذوف ، قوله : " اذهبوا إلى نوح " بيان لقوله اذهبوا إلى غيري ، قوله : " أنت أول الرسل " إنما قالوا له ذلك ؛ لأنه آدم الثاني ، أو لأنه أول رسول هلك قومه ، أو لأن آدم ونحوه خرج بقوله إلى أهل الأرض ؛ لأنها لم تكن لها أهل حينئذ ، أو لأن رسالته كانت بمنزلة التربية للأولاد .
وفي التوضيح قولهم : أنت أول الرسل إلى أهل الأرض هو الصحيح ، قاله الداودي ، وروي أن آدم عليه السلام نبي عليه السلام مرسل ، وروي في ذلك حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل : هو نبي وليس برسول ، وقيل : رسول وليس نبيا ، انتهى .
وقال ابن بطال : آدم ليس برسول ، نقله عنه الكرماني ، ( قلت ) : الصحيح أنه نبي ورسول ، وقد نزل عليه جبريل ، وأنزل عليه صحفا ، وعلم أولاده الشرائع ، وقول ابن بطال غير صحيح ، وأما قول من قال : إنه رسول وليس بنبي فظاهر الفساد ؛ لأن كل رسول نبي ، ومن لازم الرسالة النبوة .
قوله : " أما ترى " بفتح الهمزة وتخفيف الميم ، وهي حرف استفتاح بمنزلة ألا وكلمة ألا بعدها للعرض والتحضيض ، قوله : " ائتوا النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - " هو نبينا محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - بين ذلك بقوله : فيأتوني ، أصله فيأتونني ، وحذف نون الجمع بلا جازم ولا ناصب لغة ، قوله : " تشفع " على صيغة المجهول من التشفيع وهو قبول الشفاعة .
قوله : " قال محمد بن عبيد : لا أحفظ سائره " : أي سائر الحديث : أي باقيه ؛ لأنه مطول ، علم من سائر الروايات ، وقد بينها غيره وحفظه حتى قال ابن التين : وقول نوح : " ائتوا النبي " وهم ، إنما دلهم على إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وإبراهيم دلهم على موسى عليه الصلاة والسلام ، وموسى دلهم على عيسى عليه الصلاة والسلام ، وعيسى دلهم على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
وذكر الغزالي رحمه الله أن بين إتيانهم من آدم إلى نوح ألف سنة ، وكذا إلى كل نبي حتى يأتوا نبينا محمدا - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : والرسل يوم القيامة على منابر ، والعلماء العاملون على كراسي ، وهم رؤساء أهل المحشر ، ومن يشفع للناس منهم رؤساء أتباع الرسل ، وأول الشفعاء يوم القيامة نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وآله [15/222] وسلم .
( فإن قلت ) روى أبو الزعراء ، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه نبيكم رابع أربعة جبريل ، ثم إبراهيم ، ثم موسى أو عيسى ، ثم نبيكم ، ( قلت ) : قال البخاري : أبو الزعراء لا يتابع عليه ، والمشهور المعروف أن نبينا محمدا - صلى الله تعالى عليه وسلم - أول شافع .