باب قول الله تعالى : وآتينا داود زبورا .

أي : هذا باب في بيان قوله تعالى : وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وقبله : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا
وداود اسم أعجمي ، وعن ابن عباس : هو بالعبرانية القصير العمر . ويقال : سمي به لأنه داوى جراحات القلوب . وقال مقاتل : ذكره الله في [16/6] القرآن في اثني عشر موضعا ، وهو داود بن إيشا - بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة - ابن عوبد - بفتح العين المهملة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة على وزن جعفر - ابن باعر - بباء موحدة وعين مهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة - ابن رام بن حضرون - بحاء مهملة وضاد معجمة - ابن فارص - بفاء وفي آخره صاد مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، ومنهم من زاد بعد سلمون يحشون بن عمينا بن داب بن رام ، وقيل أرم .
قوله : ( زبورا ) هو اسم الكتاب الذي أنزل الله عليه ، وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : أنزل الله الزبور على داود عليه الصلاة والسلام مائة وخمسين سورة بالعبرانية ، في خمسين منها ما يلقونه من بختنصر ، وفي خمسين ما يلقونه من الروم ، وفي خمسين مواعظ وحكم ، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام ، ورُوي أنه نزل عليه في شهر رمضان .
الزبر الكتب ، واحدها زبور ؛ زبرت كتبت .

" الزبر " بضم الزاي والباء جمع زبور ، قال الكسائي : يعني المزبور ، يعني المكتوب ، يقال زبرت الورق فهو مزبور أي كتبته فهو مكتوب ، وقرأ حمزة " زبور " بضم الزاي وغيره من القراء بفتحها .
ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه .

" فضلا " ؛ أي نبوة وكتابا هو الزبور وصوتا بديعا وقوة وقدرة وتسخير الجبال والطير .
قوله : يَا جِبَالُ بدل من قوله : " فَضْلا " بتقدير قولنا يا جبال ، أو هو بدل من قوله تعالى " آتَيْنَا " بتقدير قلنا يا جبال .
قال مجاهد : سبحي معه .

هو تفسير قوله تعالى " أَوِّبِي مَعَهُ " ؛ يعني يا جبال سبحي مع داود ، وأوبي أمر من التأويب أي رجعي معه التسبيح أو رجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه ؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع ، وقيل : سبحي معه إذا سبح . وقيل : هي بلسان الحبشة . وقيل : نوحي معه والطير تساعدك على ذلك . وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت عليه الطير من فوقه ، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم .
والطير .

هو منصوب بالعطف على محل الجبال ، وقيل : منصوب على أنه مفعول معه . وقيل : منصوب بالعطف على " فضلا " ؛ يعني وسخرنا له الطير .
وألنا له الحديد .

أي ألنا لداود الحديد فصار في يده مثل الشمع ، وكان سأل الله أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فألان الله له الحديد .
أن اعمل سابغات الدروع .

كلمة " أن " هذه مفسرة بمنزلة أي ، كما في قوله تعالى : فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ وسابغات منصوب بقوله اعمل ، وفسره بقوله الدروع ، وكذا فسر أبو عبيدة السابغات بالدروع ، وقال أهل التفسير : أي كوامل واسعات ، وقرئ " صابغات " بالصاد .
وقدر في السرد المسامير والحلق ولا تدق المسمار فيتسلسل ولا تعظم فيفصم .

فسر السرد بقوله : " المسامير والحلق " ، قال المفسرون : معنى قوله : " وقدر في السرد " أي لا تجعل المسامير دقاقا ولا غلاظا ، وأشار البخاري إلى ذلك بقوله : " ولا تدق " بالدال المهملة من التدقيق ، ويدل عليه ما روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث من طريق مجاهد في قوله : " وقدر في السرد " لا تدق المسامير فيتسلل ولا تغلظها فيفصمها ، وقيل " ولا ترق " بالراء من الرقة ، وهو أيضا يؤدي ذلك المعنى .
قوله : ( فيتسلسل ) ، ويروى " فيتسلل " ، ويروى " فيسلس " ، والكل يرجع إلى معنى [16/7] واحد ، يقال : شيء سلس أي سهل ، ورجل سلس أي لين منقاد بين السلس والسلاسة .
قوله : ( ولا تعظم ) ؛ أي المسمار " فيفصم " من الفصم وهو القطع .
أفرغ أنزل .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وفسر " أَفْرِغْ " بقوله : " أنزل " من الإنزال ، قال المفسرون : معنى قوله : " أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا " أي أنزل علينا صبرا من عندك ، وهذا في قصة طالوت وفيها قضية داود عليه الصلاة والسلام ، فكأنه ذكر هاهنا لأن قضيتهما واحدة ، وقال بعضهم : أفرغ أنزل ، لم أعرف المراد من هذه الكلمة هنا . قلت : ليس هذا الموضع من المواضع التي يدعى فيها العجز ، والوجه فيه من المعنى والمناسبة ما ذكرناه .
بسطة زيادة وفضلا .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وهذا أيضا في قصة طالوت ، والوجه فيه ما ذكرناه ، وقد فسر البخاري بسطة بقوله : " زيادة وفضلا " ؛ أي زيادة في القوة وفضلا في المال وفي علم الحروب ، وهذا والذي قبله لم يقعا إلا في رواية الكشميهني وحده .
واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير .

فأجازيكم عليه أحسن جزاء وأتمه .
79 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خفف على داود عليه السلام القرآن ، فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يده .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن إسحاق بن نصر .
قوله : ( خفف ) على صيغة المجهول من التخفيف .
قوله : ( القرآن ) ، وفي رواية الكشميهني " القراءة " ، وقال الكرماني : القرآن أي التوراة أو الزبور . وقال التوربشتي : وإنما أطلق القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة . وقال صاحب النهاية : الأصل في هذه اللفظة الجمع ، وكل شيء جمعته فقد قرأته ، وسُمي القرآنُ قرآنا لأنه جمع الأمر والنهي وغيرهما ، وقد يطلق القرآن على القراءة ، وقرآن كل نبي يطلق على كتابه الذي أوحى إليه .
قوله : ( فكان ) ؛ أي داود يأمر بدوابه ، وفي روايته في التفسير " بدابته " بالإفراد ، ويحمل الإفراد على مركوبه خاصة ، وبالجمع مركوبه ومراكيب أتباعه .
قوله : ( قبل أن تسرج ) ، وفي رواية موسى " فلا تسرج حتى يقرأ القرآن " ، والأول أبلغ .
وفيه الدلالة على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن يشاء من عباده كما يطوي المكان ، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني ، وجاء في الحديث : إن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير . وقال النووي : أكثر ما بلغنا من ذلك من كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعا بالنهار ، انتهى . ولقد رأيت رجلا حافظا قرأ ثلاث ختمات في الوتر في كل ركعة ختمة في ليلة القدر .
قوله : ( ولا يأكل إلا من عمل يده ) وهو من ثمن ما كان يعمل من الدروع من الحديد بلا نار ولا مطرقة ولا سندان ، وهو أول من عمل الدروع من زرد وكانت قبل ذلك صفائح .