|
باب قول الله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا
أي : هذا باب في بيان حال مريم عليها الصلاة والسلام في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ الآية ، وهذه الترجمة بعينها قد تقدمت قبل هذا الباب ببابين ومضى الكلام فيها . نبذناه ألقيناه ، اعتزلت شرقيا مما يلي الشرق .
لفظ " نبذناه " في قصة يونس ، وهو قوله تعالى : فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى " فَنَبَذْنَاهُ " قال : ألقيناه . وليس لذكره هاهنا مناسبة ؛ لأن المذكور في قصة مريم عليها الصلاة والسلام لفظ " انْتَبَذَتْ " ، ومعنى " انْتَبَذَتْ " غير معنى " فَنَبَذْنَاهُ " على ما لا يخفى ، وأشار إلى معنى " انْتَبَذَتْ " بقوله : " فاعتزلت شرقيا مما يلي الشرق " أي اعتزلت وانفردت وتخلت للعبادة في مكان شرقي مما يلي شرقي بيت المقدس أو مكان شرقي من دارها ، وقد مر هذا التفسير عن قريب . " فَأَجَاءَهَا " أفعلت من جئت ، ويقال ألجأها اضطرها .
أشار به إلى ما في قوله تعالى " فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ " ، وأشار بقوله : " أفعلت من جئت " إلى أن لفظ أجاء مزيد جاء ، تقول جئت إذا أخبرت عن نفسك ، ثم إذا أردت أن تعدى به إلى غيرك تقول أجأت زيدا ، وهنا كذلك بالتعدية لأن الضمير في " فَأَجَاءَهَا " يرجع إلى مريم ، وفاعل " أجاء " هو قوله : " الْمَخَاضُ " أي الطلق " إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ " أي ساقها ، وكانت نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة وقصتها مشهورة . قوله : ( ويقال ألجأها اضطرها ) إشارة إلى أن بعضهم قال إن معنى " فَأَجَاءَهَا " ألجأها ؛ يعني ألجأها المخاض إلى جذع النخلة . وقال الزمخشري : إن أجاء منقول من جاء ، إلا أن استعماله تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء . تساقط تسقط .
أشار به إلى ما في قوله تعالى " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا " ، وفسر " تُسَاقِطْ " بقوله : " تسقط " ، قرأ حمزة بفتح التاء وتخفيف السين ، وقرأ حفص عن عاصم بضم التاء وكسر القاف ، وقرأ الباقون بتشديد السين أصله تتساقط أدغمت التاء في السين . قوله : رُطَبًا تمييز ، جَنِيًّا غضا طريا . قصيا قاصيا .
أشار به إلى ما في قوله تعالى " فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا " ، وفسر " قَصِيًّا " بقوله : " قاصيا " ، وهكذا فسره مجاهد ، وقال أبو عبيدة : قصيا أي بعيدا . قال ابن عباس : أقصى وادي بيت لحم فرارا من قومها أن يعيروا ولادتها من غير زوج . وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة " قاصيا " ، وقال الفراء : القاصي والقصي بمعنى . قلت : أصله من القصو وهو البعد ، والأقصى الأبعد . فريا عظيما .
أشار به إلى ما في قوله تعالى " قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا " ، وفسر " فَرِيًّا " بقوله : " عظيما " ، وفي تفسير النسفي : لقد جئت شيئا فريا بديعا ، من فرى الجلد . وقال أبو عبيدة : كل فائق من عجب أو عمل فهو فري . وقيل : الفري الولد من الزنا كالشيء المفترى . وقال قطرب : الفري الجلد الجديد من الأسقية ؛ أي جئت بأمر عجيب أو أمر جديد لم تسبقي إليه . قال ابن عباس : " نَسْيًا " لم أكن شيئا . وقال غيره : النسي الحقير .
[16/29] أشار به إلى ما في قوله تعالى حكاية عن مريم " قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا " ، وفسر ابن عباس قوله : " نَسْيًا " بقوله : " لم أكن شيئا " ، وروى الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله : " نَسْيًا مَنْسِيًّا " : أي لم أخلق ولم أك شيئا . قوله : ( وقال غيره ) ؛ أي غير ابن عباس " النسي الحقير " ، وهو قول السدي ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم " نسيا " بكسر النون ، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم بفتح النون ؛ وهما لغتان . وقال أبو علي الفارسي : الكسر أعلى اللغتين . وقال ابن الأنباري : من كسر النون قال النسي اسم لما ينسى بمنزلة البعض اسم لما يبعض ، والنسي بالفتح اسم لما ينسى أيضا على أنه مصدر ناب عن الاسم . وقيل : " نَسْيًا " لم أُذكر فيما مضى ، و" مَنْسِيًّا " لا أُذكر فيما بقي . وقال أبو وائل : علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت : إن كنت تقيا .
أبو وائل شقيق بن سلمة ، وذكر هذا في قوله تعالى حكاية عن مريم " قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا " ، وإنما قالت مريم هذا حين رأت جبريل عليه الصلاة والسلام ؛ يعني : إن كنت تقيا فانته عني . وعن ابن عباس أنه كان في زمانها رجل يقال له تقي وكان فاجرا فظنته إياه ، وقيل : كان تقي رجلا من أمثل الناس في ذلك الزمان ، فقالت : إن كنت في الصلاح مثل التقي فإني أعوذ بالرحمن منك ، كيف يكون رجل أجنبي وامرأة أجنبية في حجاب واحد ؟ ! قوله : ( ذو نهية ) بضم النون وسكون الهاء ؛ أي ذو عقل وانتهاء عن فعل القبيح . قال وكيع : عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء : " سريا " نهر صغير بالسريانية .
وكيع هو ابن الجراح الرواسي الكوفي ، وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق يروي عن جده أبي إسحاق السبيعي واسمه عمرو ، وهو يروي عن البراء بن عازب أن السري في قوله تعالى " مَنْسِيًّا فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا " هو النهر الصغير بالسريانية ، وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق الثوري ، والطبري من طريق شعيب ؛ كلاهما عن أبي إسحاق عن البراء موقوفا . وعن ابن جريج : هو الجدول بالسريانية ، وقيل : هو نهر صغير . 94 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ؛ عيسى ، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي ، جاءته أمه فدعته ، فقال : أجيبها أو أصلي ؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات ! وكان جريج في صومعته ، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما ، فقالت : من جريج ! فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه ، فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : الراعي . قالوا : نبني صومعتك من ذهب ! قال : لا ، إلا من طين . وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني إسرائيل ، فمر بها رجل راكب ذو شارة ، فقالت : اللهم اجعل ابني مثله . فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله ! ثم أقبل على ثديها يمصه - قال أبو هريرة : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه - ثم مر بأمة ، فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه . فترك ثديها فقال : اللهم اجعلني مثلها ! فقالت : لم ذاك ؟ فقال : الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون سرقت زنيت ولم تفعل ! .
[16/30] مطابقته للترجمة يمكن أن توجد من حيث إن الترجمة في قضية مريم وفيها التعرض لميلاد عيسى - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأنه كان يكلم الناس وهو في المهد صبي ، والصبي رضيع ، والصبي الذي في قضية جريج كذلك ، وكذلك كان صبي المرأة الحرة وصبي الأمة ، وصدر الحديث الذي يشتمل على قضية جريج قد مر في المظالم في باب إذا هدم حائطا فليبن مثله بعين هذا الإسناد عن مسلم بن إبراهيم ، ومر أيضا في أواخر كتاب الصلاة في باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة وقد مر الكلام فيه هناك ، ولنشرح الذي ما شرح ونكرر ما شرح أيضا في بعض المواضع لطول العهد به . قوله : ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة ) ، قال القرطبي : في هذا الحصر نظر . قلت : ليس من الأدب أن يقال في كلام النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - نظر ، بل الذي يقال فيه أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذكر الثلاثة قبل أن يعلم بالزائد عليها ، فكان المعنى لم يتكلم إلا ثلاثة على ما أوحي إليه ، وإلا فقد تكلم من الأطفال سبعة منهم شاهد يوسف صلى الله عليه وسلم ، رواه أحمد والبزار والحاكم وابن حبان من حديث ابن عباس : لم يتكلم في المهد إلا أربعة - فذكر منها شاهد يوسف صلى الله عليه وسلم ، ومنهم الصبي الرضيع الذي قال لأمه - وهي ماشطة بنت فرعون لما أراد فرعون إلقاء أمه في النار - اصبري يا أماه فإنَّا على الحق . وأخرج الحاكم نحوه من حديث أبي هريرة ، ومنهم الصبي الرضيع في قصة أصحاب الأخدود أن امرأة جيء بها لتلقى في النار فتقاعست ، فقال لها : يا أماه ، اصبري فإنك على الحق . ومنهم يحيى صلى الله عليه وسلم ، أخرج الثعلبي في تفسيره عن الضحاك أن يحيى - صلى الله عليه وسلم - تكلم في المهد . قوله : ( جاءته أمه ) ، وفي رواية الكشميهني : فجاءته أمه . وفي رواية مسلم من حديث أبي رافع : كان جريج يتعبد في صومعته ، فأتته أمه . وفي رواية لأحمد روى الحديث عمران بن حصين مع أبي هريرة ، ولفظه : كانت أمه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فيكلمها ، فأتته يوما وهو في صلاته . وفي رواية لأحمد من حديث أبي رافع : فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت : أي جريج ، اشرف علي أكلمك ، أنا أمك . قوله : ( أجيبها أو أصلي ! ) ، وفي الرواية التي مضت في المظالم : فأبى أن يجيبها . وفي رواية أبي رافع : فصادفته يصلي ، فوضعت يدها على حاجبها فقالت : يا جريج . فقال : يا رب ، أمي وصلاتي ! فاختار صلاته ، ورجعت ، ثم أتته فصادفته يصلي ، فقالت : يا جريج ، أنا أمك فكلمني . وفي حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه أنها جاءته ثلاث مرات تناديه في كل مرة ثلاث مرات ، وفي رواية الأعرج عند الإسماعيلي : فقال أمي وصلاتي لربي ! أوثر صلاتي على أمي . فإن قلت : الكلام في الصلاة مبطل ، فكيف هذا ؟ قلت : كان الكلام مباحا في الصلاة في شرعهم ، وكذلك كان في صدر الإسلام . وقيل : إنه محمول على أنه قاله في نفسه لا أنه نطق به . قوله : ( حتى تريه وجوه المومسات ) ، وفي رواية الأعرج : حتى تنظر في وجوه المياميس . وفي رواية أبي رافع : حتى تريه المومسة - بالإفراد . وفي حديث عمران : فغضبت فقالت : اللهم لا يموتن جريج حتى ينظر في وجوه المومسات . وهي جمع مومسة ، وهي الزانية . وفي رواية الأعرج : فقالت أبيت أن تطلع علي وجهك ! لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة ! فتعرضت له امرأة فكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها . وفي رواية وهب بن جريج بن حازم عن أبيه : فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج ، فقالت بغي منهم : إن شئتم لأفتننه . قالوا : قد شئنا . فأتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها ، فأمكنت نفسها من راع كان يؤوي غنمه إلى أصل صومعة جريج . وفي حديث عمران بن حصين أنها كانت بنت ملك القرية ، وفي رواية الأعرج : وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم . وفي رواية أبي سلمة : وكان عند صومعته راعي ضأن وراعية معزى ، فولدت غلاما . فيه حذف ، تقديره : فحملت حتى انقضت أيامها فولدت . قوله : ( من جريج ) فيه حذف أيضا ، تقديره : فسئلت ممن هذا ؟ فقالت : من جريج ! وفي رواية أبي رافع : فقيل لها ممن هذا ؟ فقالت : هو من صاحب الدير ! وزاد في رواية أحمد : فأخذت ، وكان من زنا منهم قتل ، فقيل لها : ممن هذا ؟ قالت : هو من صاحب الصومعة ! وزاد الأعرج : نزل إلي فأصابني . وزاد أبو سلمة لي في روايته : فذهبوا إلى الملك فأخبروه ، فقال : أدركوه فائتوني به . قوله : ( وكسروا صومعته ) ، وفي رواية أبي رافع : فأقبلوا بفؤسهم ومساحيهم إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم ، فأقبلوا يهدمون ديره . وفي حديث عمران : فما شعر حتى سمع بالفؤس في أصل صومعته ، فجعل يسألهم : ويلكم ! مالكم ؟ فلم يجيبوه ، فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى . قوله : ( فسبوه ) ، وفي رواية أحمد عن وهب بن جرير : وضربوه ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : إنك زنيت بهذه ! وفي رواية أبي رافع عنه : فقالوا : أي جريج انزل . فأبى ، وأخذ يقبل على صلاته ، فأخذوا في هدم صومعته ، فلما رأى ذلك نزل ، فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا فجعلوا يطوفون بهما في الناس . وفي رواية أبي سلمة : فقال له الملك : [16/31] ويحك يا جريج ! كنا نراك خير الناس ، فأحبلت هذه ! اذهبوا به فاصلبوه . وفي حديث عمران : فجعلوا يضربونه ويقولون : مراء ، تخادع الناس بعملك ! وفي رواية الأعرج : فلما مروا به نحو بيت الزواني خرجن ينظرن ، فتبسم ، فقالوا : لم يضحك حتى مر بالزواني ! قوله : ( وتوضأ وصلى ) ، وفي رواية وهب بن جرير : فقام وصلى ودعا . وفي حديث عمران : قال : فتولوا عني . فتولوا عنه فصلى ركعتين ثم أتى الغلام - أي ثم أتى جريج الغلام - فقال له : من أبوك يا غلام ؟ قال : أنا ابن الراعي . وفي رواية أبي رافع : ثم مسح رأس الصبي فقال : من أبوك ؟ قال : راعي الضأن . وفي رواية عند أحمد : فوضع إصبعه على بطنها . وفي رواية أبي سلمة : فأتى بالمرأة والصبي وفمه في ثديها ، فقال له جريج : يا غلام ، من أبوك ؟ فنزع الغلام فاه من الثدي وقال : أبي راعي الضأن . وفي رواية الأعرج : فلما أدخل على ملكهم قال جريج : أين الصبي الذي ولدته ؟ فأتي به ، فقال له : من أبوك ؟ قال : فلان - وسمى أباه . وقد مضى في أواخر الصلاة بلفظ : قال يابابوس ، ومر شرحه هناك . وقال الداودي : هذا اسم الغلام . وفي حديث عمران : ثم انتهى إلى شجرة فأخذ منها غصنا ، ثم أتى الغلام وهو في مهده فضربه بذلك الغصن فقال : من أبوك ؟ فإن قلت : ما وجه الجمع بين اختلاف هذه الروايات ؟ قلت : لا مانع من وقوع الكل ، فكل روى بما سمع ، وما قيل بتعدد القصة فبعيد . قوله : ( نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين ) ، وفي رواية وهب بن جرير : ابنوها من طين كما كانت . وفي رواية أبي رافع : نبني ما هدمناه من ديرك بالذهب والفضة ! قال : لا ، ولكن أعيدوه كما كان . ففعلوا . ذكر ما يستفاد منه : فيه إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع ؛ لأن إجابة الأم واجبة فلا تترك لأجل النافلة ، وقد جاء في حديث يزيد بن حوشب عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أولى من عبادة ربه . أخرجه الحسن بن سفيان ، قلت : قال الذهبي : حوشب بن يزيد الفهري مجهول ، روى عنه ابنه يزيد في ذكر جريج الراهب ، وتمسك بعض الشافعية بظاهر الحديث في جواز قطع الصلاة لإجابة الأم سواء كانت فرضا أو نفلا ، والأصح عندهم أنه على التفصيل وهو أن الصلاة إن كانت نفلا وعلم تأذي الوالد أو الوالدة وجبت الإجابة ، وإن كانت فرضا وضاق الوقت لم تجب الإجابة ، وإن لم يضق وجبت عند إمام الحرمين ، وخالفه غيره لأنها تلزم بالشروع . وعند المالكية أن إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها ، وحكى القاضي أبو الوليد أن ذلك يختص بالأم دون الأب وبه قال مكحول ، وقيل : لم يقل به من السلف غيره . وفيه قوة يقين جريج وصحة رجائه ؛ لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق ، ولولا صحة رجائه بنطقه لما استنطقه . وقال ابن بطال : يحتمل أن يكون جريج كان نبيا فتكون معجزة . وفيه عظم بر الوالدين وإجابة دعائهما ولو كان الولد معذورا ، لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد . وفيه أن صاحب الصدق مع الله تعالى لا تضره الفتن . وفيه إثبات الكرامة للأولياء ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم . وفيه جواز الأخذ بالأشد في العبادة لمن يعلم من نفسه قوة على ذلك . وفيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة خلافا لمن زعم ذلك ، وإنما الذي يختص بهذه الأمة الغرة والتحجيل في الآخرة . وفيه أن مرتكب الفاحشة لا تبقى له حرمة . وفيه أن الفزع في الأمور المهمة إلى الله تعالى يكون بالتوجه إليه في الصلاة ، واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن من شرع بني إسرائيل أن المرأة تصدق فيما تدعيه على الرجال من الوطء ويلحق به الولد ، وأنه لا ينفع الرجل جحد ذلك إلا بحجة تدفع قولها . قوله : ( وكانت امرأة ... ) إلى آخره قضية أخرى تشبه قضية جريج ، و" امرأة " بالرفع فاعل " كانت " وهي تامة . قوله : ( فمر بها رجل ) ، ويروى " إذ مر بها راكب جمل " ، وفي رواية أحمد من رواية خلاس عن أبي هريرة رضي الله عنه : فارس متكبر . قوله : ( ذو شارة ) بالشين المعجمة وبالراء المخففة ؛ أي ذو حسن وجمال ، وقيل : صاحب هيئة وملبس حسن يتعجب منه ويشار إليه . وفي رواية خلاس : ذو شارة حسنة . قوله : ( قال أبو هريرة ) رضي الله عنه هو موصول بالإسناد المذكور ، وفيه المبالغة في إيضاح الخبر بتمثيله بالفعل . قوله : ( ثم مر بأمة ) بضم الميم وتشديد الراء على بناء المجهول ، وفي رواية أحمد عن وهب بن جرير : بأمة تضرب . وفي رواية الأعرج عن أبي هريرة الآتية في ذكر بني إسرائيل : تجرر ويلعب بها . وتجرر بجيم مفتوحة بعدها راء مشددة ثم راء أخرى ، وفي رواية خلاس أنها كانت حبشية أو زنجية وأنها ماتت فجروها حتى [16/32] ألقوها . قوله : ( فقالت : لم ذلك ؟ ) ؛ أي قالت الأم لابنها لم قلت هكذا ؟ حاصله أنها سألت منه عن سبب ذلك . قوله : ( فقال ) ؛ أي الابن " الراكب جبار " ، وفي رواية أحمد : فقال : يا أمتاه ، أما الراكب ذو الشارة فجبار من الجبابرة . وفي رواية الأعرج : فإنه كان جبارا . قوله : ( سرقت زنيت ) يجوز فيه الوجهان ؛ أحدهما بكسر التاء لخطاب المؤنث ، والآخر بسكونها على الخبر . وفي رواية أحمد : يقولون سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن ، وهي تقول حسبي الله . وفي رواية الأعرج : يقولون لها تزني وتقول حسبي الله ، ويقولون لها تسرقي وتقول حسبي الله . قوله : ( ولم تفعل ) جملة حالية ؛ أي والحال أنها لم تسرق ولم تزن .
|