باب " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم "

أي : هذا باب يذكر فيه قوله تعالى " أَمْ حَسِبْتَ " إلى آخره ، ولم يذكر في هذا الباب إلا تفسير بعض ما وقع في قصة أصحاب الكهف ، وليس في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني لفظ " باب " ، وليس في رواية النسفي لا باب ولا غيره من الترجمة وهذا هو الصواب ؛ لأن الكتاب في الحديث لا في التفسير .
الكهف الفتح في الجبل .

هو قول الضحاك ، أخرجه عنه ابن أبي حاتم .
واختلف في مكان الكهف ؛ فقيل بين أيلة وفلسطين ، وقيل بالقرب من أيلة ، وقيل بأرض نينوى ، وقيل بالبلقاء . والأخبار التي تكاثرت أنه ببلاد الروم وهو الصحيح ؛ فقيل بالقرب من طرسوس ، وقيل بالقرب من أبلستين وكان اسم مدينتهم أَفْسُوس واسم ملكهم دقيانوس . وقال السهيلي : مدينتهم يقال إنها على ستة فراسخ من القسطنطينية ، وكانت قصتهم قبل غلبة الروم على يونان ، وأنهم سيحجون البيت إذا نزل عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام . وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث حجاج بن أرطاة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا : أصحاب الكهف أعوان المهدي . وذكر مقاتل في تفسيره : اسم الكهف مانجلوس .
والرقيم الكتاب ؛ مرقوم مكتوب - من الرقم .

أشار به إلى تفسير الرقيم ، فالذي فسره منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رواه الطبراني من حديث [16/50] علي بن أبي طلحة عنه .
قوله : ( من الرقم ) أشار به إلى أن اشتقاق الرقيم والمرقوم من الرقم وهو الكتابة ، وفي الرقيم أقوال أخر ؛ فعن أبي عبيدة : الرقيم الوادي الذي فيه الكهف . وعن كعب الأحبار : اسم القرية - رواه الطبري . وعن أنس أن الرقيم اسم الكلب ، رواه ابن أبي حاتم ، وكذا روى عن سعيد بن جبير ، وقيل : الرقيم اسم الصخرة التي أطبقت على الوادي الذي فيه الكهف . وقيل : هو الغار . وعن ابن عباس : الرقيم لوح من رصاص كتبت فيه أسماء أصحاب الكهف لما توجهوا عن قومهم ولم يدروا أين توجهوا .
ربطنا على قلوبهم : ألهمناهم صبرا .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وفسر " رَبَطْنَا " بقوله : " ألهمناهم صبرا " ، وهكذا فسره أبو عبيدة .
شططا : إفراطا .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا
قوله : شَطَطًا منصوب على أنه صفة مصدر محذوف تقديره : لقد قلنا إذا قولا شططا ؛ أي ذا شطط وهو الإفراط في الظلم والإبعاد ، من شط إذا بعد . وعن أبي عبيدة : " شَطَطًا " أي جورا وغلوا .
" الوصيد " الفناء وجمعه وصائد ووصد ، ويقال : الوصيد الباب ، مؤصدة مطبقة ، أصد الباب وأوصد .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد . وفسر " بِالْوَصِيدِ " بقوله : " الفناء " بكسر الفاء والمد ، وهكذا فسره ابن عباس ، وكذا روي عن سعيد بن جبير ، وقال الزمخشري : الوصيد الفناء ، وقيل العتبة ، وقيل الباب .
قوله : ( وجمعه ) ؛ أي وجمع " الوصيد " وصائد ووصد - بضم الواو وسكون الصاد ، ويقال الأصيد كالوصيد ، روى ابن جرير عن أبي عمرو بن العلاء أن أهل اليمن وتهامة يقولون الوصيد وأهل نجد يقولون الأصيد .
قوله : ( مؤصدة ) إشارة إلى ما في قوله تعالى : نَارٌ مُؤْصَدَةٌ - وفسره بقوله : " مطبقة " ، وهذا ذكره استطرادا لأنه ليس في سورة الكهف ، ولكنه لما كان الاشتقاق بينهما من واد واحد ذكره هنا ، والذي ذكره هو المنقول عن أبي عبيدة .
قوله : ( أصد الباب ) ؛ أي أغلقة ، ويقال فيه أوصد أيضا بمعنى ؛ يقال بالثلاثي وبالمزيد .
بعثناهم : أحييناهم .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ الآية ، وفسره بقوله : " أحييناهم " ، وهكذا فسره أبو عبيدة .
أزكى : أكثر ريعا .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وفسر " أَزْكَى " بقوله : " أكثر ريعا " ، قال الزمخشري : " أَيُّهَا " أي أهلها ، كما في قوله : " وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ " ، أَزْكَى طَعَامًا أحل وأطيب ، أو أكثر وأرخص .
فضرب الله على آذانهم فناموا .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا وفي الحقيقة أخذ لازم القرآن وفسره بلازمه ، إذ ليس الذي ذكره لفظ القرآن ولا ذلك معناه ، قال الزمخشري : أي ضربنا عليها حجابا من أن تسمع ، يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات .
رجما بالغيب : لم يستبن .

أشار به إلى ما في قوله تعالى : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وفسر الرجم بالغيب بقوله : " لم يستبن " ، وعن قتادة : معناه قذفا بالظن ، رواه عبد الرزاق عن معمر عنه . وقال أبو عبيدة : الرجم ما لم تستيقنه من الظن .
[16/51] وقال مجاهد : تقرضهم تتركهم .

أي قال مجاهد في تفسير قوله تعالى " تَقْرِضُهُمْ " في قوله تعالى " وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ الآية - وفسر " تَقْرِضُهُمْ " بقوله : " تتركهم " ، وأصل القرض القطع والتفرقة من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته ، والمعنى هنا تعدل عنهم وتتركهم ، قاله الأخفش والزجاج ، وقيل : تصيبهم يسيرا ، مأخوذ من قراضة الذهب والفضة ، وهو مأخوذ منها بالمقراض ؛ أي تعطيهم الشمس اليسير من شعاعها . وقيل : معناه تحاذيهم ، وهو قول الكسائي والفراء .
حديث الغار .

أي هذا بيان حديث الغار الذي آوى إليه ثلاثة نفر ممن كانوا قبلنا ، قيل : وجه المناسبة في ذكر حديث الغار عقيب حديث أبرص وأقرع وأعمى هو أنه ورد أن الرقيم المذكور في قوله تعالى " أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ " هو الغار الذي آوى إليه الثلاثة المذكورون ، وذلك فيما رواه البزار والطبراني بإسناد حسن عن النعمان بن بشير أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر الرقيم قال : انطلق ثلاثة فكانوا في كهف ، فوقع الحبل على باب الكهف فأوصد عليهم ... الحديث ، قلت : يحتمل أنه ذكر هذا عقيب ذاك لأن هؤلاء الثلاثة كانوا في زمن بني إسرائيل ، يدل عليه ما رواه الطبراني عن عقبة بن عامر أن ثلاثة نفر من بني إسرائيل ... الحديث ، ذكره في الدعاء .
119 - حدثنا إسماعيل بن خليل ، أخبرنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار ، فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : إنه - والله يا هؤلاء - لا ينجيكم إلا الصدق ، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه . فقال واحد منهم : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه ، وأني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته ، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرا ، وأنه أتاني يطلب أجره فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فسقها . فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز ! فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق . فساقها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ! فانساخت عنهم الصخرة ، فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران ، فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي ، فأبطأت عليهما ليلة ، فجئت وقد رقدا ، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع ! فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي ، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما ، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ! فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء ، فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي ، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قدرت ، فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها فقالت : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه ! فقمت وتركت المائة دينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك [16/52] ففرج عنا ! ففرج الله عنهم فخرجوا .

وجه المطابقة قد ذكر الآن .
وإسماعيل بن خليل أبو عبد الله الخزاعي الكوفي .
وقد مضى هذا الحديث في الإجارة في باب من استأجر أجيرا فترك أجره ، أخرجه عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ، ومضى أيضا في البيوع في باب إذا اشترى شيئا لغيره عن يعقوب بن إبراهيم عن أبي عاصم عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ، ومضى أيضا في البيوع في باب إذا زرع بمال قوم عن إبراهيم بن المنذر عن أبي ضمرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر ، ولم يخرج البخاري هذا الحديث إلا من رواية ابن عمر وكذلك مسلم ، وفي الباب عن أنس عند الطبراني ، وعن أبي هريرة عند ابن حبان ، وعن النعمان بن بشير عند أحمد ، وعن علي وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني ، وقد ذكرنا في كل موضع بما فتح الله تعالى ، ونذكر هنا بعض شيء وما علينا إن وقع بعض تكرار ، فإن التكرير يفيد تكرار المسك عند التضوع !
قوله : ( ممن كان قبلكم ) ؛ يعني من بني إسرائيل كما في رواية الطبراني التي ذكرناها آنفا .
قوله : ( يمشون ) في محل الرفع ؛ لأنه خبر مبتدأ وهو قوله : " ثلاثة نفر " ، وأضيف " بينما " إلى هذه الجملة ، وقوله : " إذ أصابهم " جواب " بينما " .
قوله : ( فأووا إلى غار ) بقصر الهمزة ، يقال أوى بنفسه مقصور ، وآويته أنا بالمد ، وقيل : يجوز هنا القصر والمد . وفي رواية أحمد والطبراني وأبي يعلى والبزار : فدخلوا غارا فسقط عليهم حجر يتجافى حتى ما يرون منه . وفي رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عند البخاري : حتى أواهم المبيت - بنصب " المبيت " على المفعولية ، ووجهوه بأن دخول الغار من فعلهم ، فحسن أن ينسب الإيواء إليهم . وفي رواية مسلم من هذا الوجه : فآواهم المبيت - برفع " المبيت " على الفاعلية .
قوله : ( فانطبق عليهم ) ؛ أي باب الغار ، ومضى في المزارعة " فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فانطبقت عليهم " ، وفي رواية سالم : فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار . وفي رواية الطبراني من حديث النعمان بن بشير : إذ وقع الحجر من الجبل مما يهبط من خشية الله حتى سد فم الغار .
قوله : ( إنه ) ؛ أي الشأن .
قوله : ( فليدع كل رجل منكم ) ، وفي رواية موسى بن عقبة : انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله . ومثله في رواية مسلم وفي البيوع : ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه . وفي رواية سالم : إنه لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم . وفي حديث أبي هريرة وأنس جميعا : فقال بعضهم عفا الأثر ووقع الحجر ولا يعلم بمكانكم إلا الله ، ادعوا الله بأوثق أعمالكم . وفي حديث النعمان بن بشير : إنكم لن تجدوا شيئا خيرا لكم من أن يدعو كل امرئ منكم بخير عمل عمله قط .
قوله : ( فقال واحد منهم ) ، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت والنسفي : وقال اللهم - بدون ذكر لفظ " واحد منهم " .
قوله : ( إن كنت تعلم ) على خلاف مقتضى الظاهر ؛ لأنهم كانوا جازمين بأن الله عالم بذلك فلا مجال لحرف الشك فيه ، وأجيب بأنهم لم يكونوا عالمين بأن لأعمالهم اعتبارا عند الله ولا جازمين فقالوا : إن كنت تعلم لها اعتبارا ففرج عنا .
قوله : ( على فرق ) بفتح الفاء والراء بعدها قاف وقد تسكن الراء ، وهو مكيال يسع ثلاثة آصع .
قوله : ( من أرز ) فيه ست لغات قد ذكرناها فيما مضى .
قوله : ( عمدت ) ؛ أي قصدت .
قوله : ( اشتريت منه بقرا ) ، قال الكرماني : فإن قلت فيه صحة بيع الفضولي - قلت : هذا شرع من قبلنا ، ثم ليس فيه أن الفرق كان معينا ولم يكن في الذمة وقبضه الأجير ودخل في ملكه ، بل كان هذا تبرعا منه له ، انتهى . قلت : لا حاجة أصلا إلى هذا السؤال ؛ لأن بيع الفضولي يجوز إذا أجازه صاحب المتاع ، فلا يقال من أول الأمر إن البيع غير صحيح .
قوله : ( فانساخت ) ؛ أي انشقت ، وأنكره الخطابي لأن معنى انساخ بالمعجمة - ويقال انصاخ بالصاد المهملة بدل السين - أي انشق من قبل نفسه . قال : والصواب انساحت بالحاء المهملة ؛ أي اتسعت ، ومنه ساحة الدار . قال : وانصاح - بالصاد المهملة بدل السين - أي تصدع ، يقال للبرق . قيل : الرواية بالخاء المعجمة صحيحة وهي بمعنى انشقت ، وإن كان أصله بالصاد فالصاد قد قلبت سينا ولا سيما مع الخاء المعجمة كالصخر والسخر ، ووقع في حديث سالم : فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج . وفي حديث النعمان بن بشير : فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء . وفي حديث علي : فانصدع الجبل حتى طمعوا في الخروج ولم يستطيعوا . وفي حديث أبي هريرة وأنس : فزال ثلث الحجر .
قوله : ( اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ) كذا في [16/53] رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر بحذف " أنه " .
قوله : ( أبوان ) من باب التغليب والمراد الأب والأم ، وصرح بذلك في حديث ابن أبي أوفى .
قوله : ( شيخان كبيران ) ، وزاد في رواية أبي ضمرة عن موسى بن عقبة : ولي صبية صغار ، فكنت أرعى عليهم . وفي حديث علي : أبوان ضعيفان فقيران ، ليس لهما خادم ولا راع ولا ولي غيري ، فكنت أرعى لهما بالنهار وآوي إليهما بالليل .
قوله : ( فأبطأت عنهما ليلة ) ، وفي رواية سالم : فنأى بي طلب شيء يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما . والشيء لم يفسر ما هو في هذه الرواية ، وقد بين في رواية مسلم من طريق أبي ضمرة ولفظه : وأنه نأى بي ذات يوم الشجر . والمراد أنه بعد عن مكانه الذي يرعى فيه على العادة لأجل الكلأ فذلك أبطأ ، ويفسره أيضا حديث علي : فإن الكلأ تناءى علي - أي تباعد ، والكلأ العشب الذي يرعى الغنم منه .
قوله : ( وأهلي ) مبتدأ ، و" عيالي " عطف عليه ، وخبره " يتضاغون " بضاد وغين معجمتين من الضغاء - بالمد - وهو الصياح . وقال الداودي : يريد بالأهل والعيال الزوجة والأولاد والرقيق والدواب ، واعترض عليه ابن التين فقال : لا معنى للدواب هنا ! قلت : تدخل الدواب في العيال بالنظر إلى المعنى اللغوي ؛ لأن معنى قولهم عال فلان أي أنفق عليه ، وجاء في رواية سالم : وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا - فهذا يقوي ما ذكرناه .
قوله : ( من الجوع ) ؛ أي بسبب الجوع ، وفيه رد على من قال لعل صياحهم كان بسبب آخر غير الجوع .
قوله : ( فكرهت أن أوقظهما ) ، وفي حديث علي : ثم جلست عند رؤوسهما بإنائي كراهية أن أوقظهما أو أوذيهما . وفي حديث أنس : كراهية أن أرد وسنهما . وفي حديث ابن أبي أوفى : وكرهت أن أوقظهما من نومهما فيشق ذلك عليهما .
قوله : ( ليستكنا ) من الاستكانة ؛ أي ليضعفا لأنه عشاؤهما ، وترك العشاء يهرم .
قوله : ( لشربتهما ) ؛ أي لأجل عدم شربهما ، وقال الكرماني : ويروى " ليستكنا " ؛ يعني بتشديد النون ، أي يلبثا في كنهما منتظرين لشربهما .
قوله : ( فأبت ) ؛ أي امتنعت ، وفي رواية موسى بن عقبة : فقالت لا تنال ذلك منها - حتى قوله : بمائة دينار . وفي رواية سالم : فأعطيتها عشرين ومائة دينار . وطلب المائة منها والزيادة من قبل نفسه ، أو الراوي الذي لم يذكر الزيادة طرحها ، وفي حديث ابن أبي أوفى : مالا ضخما .
قوله : ( فلما قعدت بين رجليها ) ، وفي حديث ابن أبي أوفى : وجلست منها مجلس الرجل من المرأة .
قوله : ( لا تفض ) بالفاء والضاد المعجمة ؛ أي لا تكسر ، والخاتم كناية عن عذرتها وكأنها كانت بكرا .
فإن قلت : في حديث النعمان ما يدل على أنها لم تكن بكرا ! قلت : يحمل على أنها أرادت بالخاتم الفرج ، والألف واللام في الخاتم عوض عن الياء أي خاتمي .
قوله : ( إلا بحقه ) ؛ أي الحلال ، أرادت أنها لا تحل له إلا بتزويج صحيح ، ووقع في حديث علي : فقالت أذكرك الله أن لا ترتكب مني ما حرم الله عليك ! قال : أنا أحق أن أخاف ربي . وفي حديث النعمان بن بشير : فلما أمكنتني من نفسها بكت ، فقلت : ما يبكيك ؟ قالت : فعلت هذا من الحاجة ! فقلت : انطلقي . وفي حديث ابن أبي أوفى : فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة ذكرت النار فقمت عنها .