233 - حدثنا مسدد ، حدثنا أبو عوانة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش قال : قال عقبة لحذيفة : ألا تحدثنا ما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : سمعته يقول : إن رجلا [16/62] حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله إذا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا ثم أوروا نارا ، حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يوم حار أو راح ! فجمعه الله فقال : لم فعلت ؟ قال : خشيتك ! فغفر له . قال عقبة : وأنا سمعته يقول .

مطابقته للترجمة في قوله : " إن رجلا حضره الموت " .
وهذا الحديث مضى في أول باب ما ذكر عن بني إسرائيل بأتم منه ؛ فإنه أخرجه هناك عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عن عبد الله بن عمير عن ربعي بن حراش - إلى آخره ، وهنا أخرجه عن مسدد عن أبي عوانة الوضاح ، وهذا هكذا رواية الكشميهني ، وأبو ذر صوب رواية الأكثرين وهي عن موسى بن إسماعيل التبوذكي ، وذكر أبو نعيم في المستخرج أنه عن موسى ومسدد جميعا لأنهما قد سمعا من أبي عوانة ، وقد ذكرنا هناك ما تيسر لنا من لطف الله وفضله ، فلنذكر هنا ما يجلب من الفوائد أحسنها وأخصرها :
فقوله : ( قال عقبة ) هو عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري ، لا عقبة بن عبد الغافر المذكور آنفا ولا يلتبس عليك .
قوله : ( ألا تحدثنا ) ، كلمة " ألا " هنا للعرض والتحضيض ، ومعناهما طلب الشيء ، ولكن العرض طلب بلين والتحضيض طلب بحث ، و" ألا " هذه تختص بالفعلية .
قوله : ( قال : سمعته ) ؛ أي قال عقبة : سمعت حذيفة يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله : ( أوصى إلى أهله ) ، ويروى " أوصى أهله " .
قوله : ( ثم أوروا ) أمر للجمع ، بفتح الهمزة من أورى يوري إيراء ، يقال ورى الزند يري إذا خرجت ناره ، وأوراه غيره إذا استخرج ناره .
قوله : ( إذا خلصت ) بفتح اللام ؛ أي وصلت .
قوله : ( فذروني ) بضم الذال وتشديد الراء ، من ذروت الشيء أذروه ذروا إذا فرقته .
قوله : ( في اليم ) ؛ أي في البحر .
قوله : ( في يوم حار أو راح ) ، هذا على الشك في رواية النسفي ، وعند أبي الهيثم " حار " فقط بالراء ؛ أي شديد الحر . قال الجوهري : حر النهار فيه لغتان ؛ تقول حررت يا يوم بالفتح ، وحررت بالكسر ، وأحر النهار لغة فيه سمعها الكسائي .
قوله : ( أو راح ) ؛ أي ذي ريح شديدة ، وفي رواية المروزي " حاز " بحاء مهملة وزاي مشددة ، ومعناه يحز ببرده أو حره . وكذا قيده الأصيلي وأبو ذر ، وفي رواية القابسي " في يوم حان " بالنون ، واقتصر ابن التين على هذه الرواية ، ثم نقل عن ابن فارس الحون ريح يحن كحنين الإبل ، قال : فعلى هذا يقرأ " في يوم حان " بتشديد النون يريد حان ريحه ، وفي التوضيح وتبعه بعض شيوخنا فاقتصر عليه في شرحه وأهمل الباقي .
قوله : ( فجمعه الله ) ؛ أي جمع جسده ، لأن التحريق والتفريق إنما وقع عليه وهو الذي يجمع ويعاد عند البعث . وفي حديث سلمان الفارسي عند أبي عوانة في صحيحه " فقال الله : كن - فكان كأسرع من طرف العين " .
قوله : ( فقال : لم فعلت ؟ ) ؛ أي فقال الله تعالى لذلك الرجل لم فعلت هذا ؟ ( قال : من خشيتك ! ) ؛ أي من أجل خشيتي منك .
قوله : ( فغفر له ) ، فإن قلت : إن كان هذا الرجل مؤمنا فلم شك في قدرة الله تعالى حيث قال " فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا " على ما يأتي عن قريب في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ؟ وإن لم يكن فكيف غفر له ؟ قلت : كان مؤمنا ؛ بدليل الخشية ، ومعنى " قدر " مخففا ومشددا حكم وقضى أو ضيق . وقال النووي : قيل أيضا إنه على ظاهره ، ولكن قاله غير ضابط لنفسه وقاصد لمعناه ، بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف بحيث ذهب تدبره فيما يقوله فصار كالغافل والناسي لا يؤاخذ عليهما ، أو أنه كان في زمان ينفعه مجرد التوحيد أو كان في شرعهم جواز العفو عن الكافر . وقال الخطابي : فإن قلت كيف يغفر له وهو منكر للقدرة على الإحياء ؟ قلت : ليس بمنكر ، إنما هو رجل جاهل ظن أنه إذا صنع به هذا الصنيع ترك فلم ينشر ولم يعذب ، وحيث قال " من خشيتك " علم منه أنه رجل مؤمن فعل ما فعل من خشية الله ، ولجهله حسب أن هذه الحيلة تنجيه .
قوله : ( وقال عقبة ) ؛ أي عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري ، ( وأنا سمعته يقول ) ؛ أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .