باب قصة الحبش

أي : هذا باب في بيان قصة الحبش ، ولم يذكر فيه إلا شيئا نزرا من قصة الحبشة ، وذكر ابن إسحاق قصتهم مطولة ، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه ، والحبش والحبشة جنس من السودان ، والجمع الحبشان ، مثل : حمل وحملان ، قاله الجوهري ، وهم من أولاد حام بن نوح عليه الصلاة والسلام ، وكانوا سبع أخوة السند ، والهند ، والزنج ، والقبط ، والحبش ، والنوبة ، وكنعان ، والحبش ، على أنواع الدهلك ، وناصع ، والزيلع ، والكوكر ، والفافور ، واللابة ، والقوماطين ، ودرقلة ، والقرنة ، والحبش بن كوش بن حام ، وهم مجاورون لأهل اليمن يقطع بينهم البحر ، وقد غلبوا على اليمن قبل الإسلام ، وقصتهم مشهورة .
وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا بني أرفدة

وقول مجرور ؛ لأنه عطف على قوله : قصة الحبش ، وأرفدة بفتح الهمزة ، وسكون الراء ، وكسر الفاء ، اسم جد لهم . وقيل : أرفدة اسم أمه ، وقد مضى هذا اللفظ في حديث طويل في كتاب العيدين في باب الحراب ، والدرق يوم العيد ، وفيه : وكان يوم عيد يلعب فيه السودان ، فإما سألت - يعني : عائشة - رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإما قال : تشتهين تنظرين ، فقلت : نعم ، فأقامني وراءه ، خدي على خده ، وهو يقول : دونكم يا بني أرفدة حتى إذا مللت قال : حسبك . قلت : نعم . قال : فاذهبي .
37 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها ، وعندها جاريتان في أيام منى تغنيان ، وتدففان ، وتضربان ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن وجهه ، فقال : دعهما يا أبا بكر ؛ فإنها أيام عيد ، وتلك الأيام أيام منى . وقالت عائشة : رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دعهم أمنا بني أرفدة ، يعني : من الأمن .

مطابقته للترجمة الأولى في قوله : إلى الحبشة ، وفي الثانية في قوله : بني أرفدة ، ورجاله قد تكرر ذكرهم . وهذا الحديث قد مضى في العيدين في باب الحراب والدرق يوم العيد ، ومضى الكلام فيه هناك .
قوله : " في أيام منى تغنيان " ، ويروى : في أيام منى تدفعان وتضربان ، وليس فيه تغنيان . قوله : " فإنها " ، أي : فإن أيام منى أيام عيد ، أيام فرح وسرور ، وقيل : هذا يدل على أن أيام العيد أربعة أيام ، ورد بأنه يحتمل أن يكون ذلك اليوم ثاني يوم العيد أو ثالثه ، فإذا كان كذلك فهو من أيام منى ، ولا يقال : إنه على عمومه ؛ لأن دعوى العموم في الأفعال غير صحيحة عند الأكثرين ؛ لأنها قصة عين . قوله : " متغش " ، ويروى متغشي ، والكل بمعنى واحد من قولهم : تغشى ، أي : تغطى بثوبه . قوله : " فزجرهم " ، أي : فزجر أبو بكر الحبشة الذين يلعبون . قوله : " دعهم " ، أي : اتركهم آمنين ، ويجوز أن يكون أمنا مفعولا مطلقا ، أي : ائمنوا أمنا ليس لأحد أن يمنعكم ونحوه . قوله : " بني أرفدة " ، أي : يا بني أرفدة . قوله : " يعني " : من الأمن ، والغرض من ذكر لفظ يعني : بيان أنه مشتق من الأمن الذي هو ضد الخوف لا من الإيمان .