|
باب علامات النبوة في الإسلام
أي : هذا باب في بيان علامات النبوة ، والعلامات جمع علامة ، إنما لم يقل معجزات النبوة ؛ لأن العلامة أعم منها ومن الكرامة ، والفرق بينهما ظاهر ؛ لأن المعجزة لا تكون إلا عند التحدي بخلاف الكرامة . قوله : " في الإسلام " ، أي : في زمن الإسلام . 78 - حدثنا أبو الوليد ، حدثنا سلم بن زرير ، سمعت أبا رجاء قال : حدثنا عمران بن حصين ، أنهم كانوا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس ، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر ، وكان لا يوقظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من منامه حتى يستيقظ ، فاستيقظ عمر ، فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ، ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فنزل وصلى بنا الغداة ، فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا ، فلما انصرف قال : يا فلان ، ما يمنعك أن تصلي معنا ؟ قال : أصابتني جنابة ، فأمره أن يتيمم بالصعيد ، ثم صلى ، وجعلني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ركوب بين يديه ، وقد عطشنا عطشا شديدا ، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين ، فقلنا لها : أين الماء ؟ فقالت : إيه لا ماء ، فقلنا : كم بين أهلك وبين الماء ؟ قالت : يوم وليلة ، فقلنا : انطلقي إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قالت : وما رسول الله ؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها مؤتمة فأمر بمزادتيها ، فمسح في العزلاوين فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا ، فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا ، وهي تكاد تنض من الملء ، ثم قال : هاتوا ما عندكم ، فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها ، قالت : لقيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا ، فهدى الله ذلك الصرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا .
مطابقته للترجمة في تكثير الماء القليل ببركته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، وسلم بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ابن زرير ، بفتح الزاي ، وكسر الراء الأولى ، وقد مر في بدء الخلق ، وأبو رجاء ضد الخوف عمران بن ملحان العطاردي البصري أدرك زمان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأسلم بعد الفتح ، ولم ير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولم يهاجر إليه . والحديث مر في كتاب التيمم في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم بأتم منه وأطول ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : " فأدلجوا " من الإدلاج ، يقال : أدلج القوم إذا ساروا أول الليل ، وإذا ساروا في آخر الليل ، يقال : ادلجوا بتشديد الدال . قوله : " عرسوا " ، من التعريس ، وهو نزول القوم آخر الليل يقفون فيه وقفة للاستراحة . قوله : " وكان لا يوقظ " على صيغة المجهول . قوله : " فجعل يكبر " ، أي : فجعل أبو بكر يكبر رافعا صوته ، وقد تقدم في كتاب التيمم أن عمر رضي الله تعالى عنه هو الذي كان يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكذا وقع في مسلم في الصلاة من حديث عوف الأعرابي ، عن أبي رجاء ، أن عمر كان رجلا جليدا فكبر ورفع صوته بالتكبير ، حتى استيقظ رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولا منافاة إذ لا منع للجمع بينهما لاحتمال أن كلا منهما فعل ذلك . قوله : " في ركوب " ، بالضم جمع راكب ، وبفتحها ما يركب . قوله : " سادلة " ، أي : [16/118] مرسلة رجليها ، يقال : سدل ثوبه إذا أرخاه . قوله : " مزادتين " تثنية مزادة ، بفتح الميم ، وتخفيف الزاي ، وهي الراوية ، وسميت بها ؛ لأنها يزاد فيها جلد آخر من غيرها ، ولهذا قيل : إنها أكبر من القربة . قوله : " إيه " بلفظ الحروف المشبهة بالفعل ، ويروى : أيها . وقال الجوهري : ومن العرب من يقول : أيها ، بفتح الهمزة بمعنى هيهات ، ويروى أيهات على وزن هيهات ومعناه . قوله : " مؤتمة " ، من أيتمت المرأة إذا صار أولادها أيتاما فهي مؤتمة بكسر التاء ، ويروى بفتحها . قوله : " فمسح في العزلاوين " . هكذا في رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : فسمح بالعزلاوين ، وهي تثنية عزلاء ، بسكون الزاي ، وبالمد ، وهو فم القربة ، قاله بعضهم . ( قلت ) : العزلاء فم المزادة الأسفل . قوله : " فشربنا عطاشا " ، أي : شربنا حالة كوننا عطاشا . قوله : " أربعين " ، بالنصب رواية الكشميهني ، وجه النصب أنه بيان لقوله : عطاشا ، ويروى : أربعون بالرفع ، أي : ونحن أربعون نفسا . قوله : " حتى روينا " ، بفتح الراء وكسر الواو من الري . قوله : " تبض " بكسر الباء الموحدة بعدها الضاد المعجمة المثقلة ، أي : تسيل . وقال ابن التين : تبض ، أي : تنشق فيخرج منه الماء ، يقال : بض الماء من العين إذا نبع ، وحكى القاضي عياض عن بعض الرواة بالصاد المهملة من البصيص ، وهو اللمعان ، وفيه بعد ، ويروى : تنض بالنون عوض الباء الموحدة ، وروى أبو ذر عن الكشميهني : تنصب من الانصباب ، ويروى تنضرج من الضرج بالضاد المعجمة ، والراء ، والجيم ، وهو الشق ، ويروى تيصر بتاء مثناة من فوق مفتوحة ، بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ، وصاد مهملة ، وراء ، ذكر الشيخ أبو الحسن أن معناه تنشق ، قال : ومنه صير الباب ، أي : شقه ، ورده ابن التين ، وهو أجدر بالرد ؛ لأن فيه تكلفا من جهة الصرف ، وغير موجود في شيء من الروايات . قوله : " ذلك الصرم " ، بكسر الصاد المهملة ، وسكون الراء ، وهو أبيات مجتمعة نزول على الماء .
|