|
119 - حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا أحمد بن يزيد بن إبراهيم أبو الحسن الحراني ، حدثنا زهير بن معاوية ، حدثنا أبو إسحاق سمعت البراء بن عازب يقول : جاء أبو بكر رضي الله عنه إلى أبي في منزله ، فاشترى منه رحلا فقال لعازب : ابعث ابنك يحمله معي قال : فحملته معه ، وخرج أبي ينتقد ثمنه فقال له أبي : يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله [16/147] صلى الله عليه وسلم قال : نعم أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق لا يمر فيه أحد ، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده ، وسويت للنبي صلى الله عليه وسلم مكانا بيدي ينام عليه وبسطت فيه فروة ، وقلت : نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك فنام ، وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا ، فقلت : لمن أنت يا غلام؟ فقال : لرجل من أهل المدينة أو مكة قلت : أفي غنمك لبن؟ قال : نعم قلت : أفتحلب؟ قال : نعم فأخذ شاة فقلت : انفض الضرع من التراب والشعر والقذى قال : فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض ، فحلب في قعب كثبة من لبن ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها يشرب ويتوضأ ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه فوافقته حين استيقظ ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله فقلت : اشرب يا رسول الله قال : فشرب حتى رضيت ثم قال : ألم يأن للرحيل؟ قلت : بلى قال : فارتحلنا بعد ما مالت الشمس واتبعنا سراقة بن مالك فقلت : أتينا يا رسول الله فقال : لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فارتطمت به فرسه إلى بطنها أرى في جلد من الأرض شك زهير فقال : إني أراكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما أن أرد عنكما الطلب فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فنجا ، فجعل لا يلقى أحدا إلا قال : كفيتكم ما هنا فلا يلقى أحدا إلا رده قال : ووفى لنا .
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه معجزة ظاهرة لا تخفى على متأمل . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول محمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي ، سكن بغداد ، وهو من أفراده وصغار شيوخه ، وشيخه الآخر محمد بن يوسف الفريابي أكبر من هذا وأقدم سماعا ، وقد أكثر البخاري عنه . الثاني أحمد بن يزيد من الزيادة ابن إبراهيم أبو الحسن الحراني يعرف بالورتنيسي بفتح الواو وسكون الراء وفتح المثناة من فوق وتشديد النون المكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ، ثم سين مهملة ، قلت : الورتنيس أحد أجداده وهو إبراهيم أبو أحمد الحاكم اسم الورتنيس إبراهيم . الثالث زهير بن معاوية أبو خيثمة الجعفي . الرابع أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي . الخامس البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفي رواية أخبرنا أحمد بن زيد ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن أحمد بن يزيد انفرد به البخاري دون الخمسة ، وفيه أن زهير بن حرب هو الذي روى هذا الحديث تاما عن أبي إسحاق وأبوه خديج وإسرائيل ، وروى شعبة منه قصة اللبن خاصة ، وقد رواه عن أبي إسحاق مطولا أيضا حفيده يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق ، وهو في باب الهجرة إلى المدينة لكنه لم يذكر منه قصة سراقة ، وزاد فيه قصة غيرها . ( ذكر معناه ) قوله : " جاء أبو بكر " أي الصديق رضي الله تعالى عنه . قوله : " إلى أبي " هو عازب بن الحارث بن عدي الأوسي من قدماء الأنصار . قوله : " فاشترى منه رحلا " بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وهو للناقة كالسرج للفرس ، وقيل : الرحل أصغر من القتب واشتراه بثلاثة عشر درهما . قوله : " فقال لعازب ابعث ابنك يحمله " أي : يحمل الرحل معي . قوله : " قال فحملت معه " أي قال البراء : فحملت الرحل معه ، وفي رواية إسرائيل التي تأتي في فضل أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن عازبا امتنع من [16/148] إرسال ابنه مع أبي بكر حتى يحدثه أبو بكر بالحديث وهي زيادة ثقة مقبولة . قوله : " وخرج أبي ينتقد ثمنه " أي : يستوفيه . قوله : " حين سريت " سرى وأسرى لغتان بمعنى السير في الليل قال الله تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا وقال : وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ قوله : " أسرينا ليلتنا " يعني سرينا ليلا وذلك حين خرجا من الغار وكانا لبثا في الغار ثلاث ليال ثم خرجا . قوله : " ومن الغد " أي بعض الغد ، والعطف فيه كما في قوله : إذ الإسراء إنما يكون بالليل . قوله : " حتى قام قائم الظهيرة " أي : نصف النهار وهو استواء حالة الشمس ، وسمي قائما لأن الظل لا يظهر حينئذ فكأنه قائم واقف ، وفي رواية إسرائيل أسرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا أي : دخلنا في وقت الظهيرة . قوله : " وخلا الطريق " هذا يدل على أنه كان في زمن الحر ، وقيل في قوله : " على حين غفلة من أهلها " أي نصف من النهار . قوله : " فرفعت لنا صخرة " أي : ظهرت لأبصارنا ، ورفعت على صيغة المجهول . قوله : " وبسطت فيه فروة " وهو الجلد الذي يلبس وقيل : المراد بها قطعة حشيش مجتمعة ، ويقوي المعنى الأول ما في رواية أبي يوسف بن أبي إسحاق " ففرشت له فروة معي " . قوله : " وأنا أنفض لك ما حولك " يعني من الغبار ونحو ذلك حتى لا يثيره عليه الريح ، وقيل : معنى النفض هنا الحراسة يقال : نفضت المكان إذا نظرت جميع ما فيه ، ويؤيده قوله في رواية إسرائيل : ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا ، والنفضة قوم يبعثون في الأرض ينظرون هل بها عدو أو خوف . قوله : " لرجل من أهل المدينة أو مكة " هذا شك من الراوي وهو أحمد بن يزيد ، فإن مسلما أخرجه من طريق الحسن بن محمد بن أعين عن زهير فقال فيه لرجل من أهل المدينة ولم يشك ، ووقع في رواية خديج فسمى رجلا من أهل مكة ولم يشك ، فإن قلت : كيف وجه هذا؟ قلت : المراد من المدينة في رواية مسلم هي مكة ولم يرد به المدينة النبوية لأنها حينئذ لم تكن تسمى المدينة ، وإنما كان يقال لها يثرب ، وأيضا فلم تجر العادة للرعاة أن يبعدوا في المراعي هذه المسافة البعيدة ، ووقع في رواية إسرائيل فقال لرجل من قريش سماه فعرفته ، وهذا يؤيد هذا الوجه لأن قريشا لم يكونوا يسكنون المدينة النبوية إذ ذاك . قوله : " أفي غنمك لبن " بفتح اللام والباء الموحدة ، وحكى عياض أن في رواية لبن بضم اللام وتشديد الباء الموحدة جمع لابن أي : هل في غنمك ذوات لبن . قوله : " أفتحلب قال نعم " أي : أحلب وأراد بهذا الاستفهام أمعك إذن من صاحب الغنم في الحلب لمن يمر بها على سبيل الضيافة ، فبهذا يندفع إشكال من يقول : كيف استجاز أبو بكر أخذ اللبن من الراعي بغير إذن مالك الغنم ، وأجيب هنا بجواب آخر وهو أن أبا بكر عرف مالك الغنم ، وعرف رضاه بذلك لصداقته له أو لإذنه العام بذلك ، وقيل : كان الغنم لحربي لا أمان له ، وقيل : كانوا مضطرين . قوله : " انفض الضرع " أي ثدي الشاة . قوله : " والقذى " بفتح القاف وفتح الذال المعجمة مقصورا وهو الذي يقع في العين يقال : قذت عينه إذا وقع فيها القذى كأنه شبه ما يصير في الضرع من الأوساخ بالقذى في العين . قوله : " في قعب " هو القدح من الخشب . قوله : " كثبة " بضم الكاف وسكون الثاء المثلثة وفتح الباء الموحدة أي : قطعة من لبن قدر ملء القدح وقيل : قدر حلبة خفيفة ، وقال الهروي والقزاز : كل ما جمعته من طعام أو لبن أو غيرهما فهي كثبة . قال الهروي : بعد أن يكون قليلا . قوله : " إداوة " بكسر الهمزة وهي تعمل من جلد يستصحبه المسافر . قوله : " يرتوي منها " أي يستقي . قوله : " يشرب " حال . قوله : " فوافقته حتى استيقظ " أي : وافق إتياني وقت استيقاظه ، ويروى حتى تأنيت به حتى استيقظ . قوله : " حتى برد " بفتح الراء ، وقال الجوهري بضمها . قوله : " حتى رضيت " أي : طابت نفسي لكثرة ما شرب . قوله : " ألم يأن للرحيل " أي : قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : ألم يأن وقت الارتحال . قوله : " واتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم " واتبعنا بفتح العين فاعل ومفعول ، وسراقة بالرفع فاعله . وفي رواية إسرائيل " فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا غير سراقة " . قوله : " أتينا " بضم الهمزة على صيغة المجهول . قوله : " فارتطمت به " أي : بسراقة فرسه ، ومعنى ارتطمت غاصت قوائمها في تلك الأرض الصلبة ، وارتطم في الوحل أي : دخل فيه واحتبس ، ورطمت الشيء إذا أدخلته فارتطم . قوله : " أرى " بضم الهمزة أي : أظن وهو لفظ زهير الراوي ، وفي رواية مسلم الشك من زهير يعني هل قال هذه اللفظة أم لا . قوله : " في جلد " بفتح الجيم واللام وهو الصلب من الأرض المستوي . قوله : " فقال إني أراكما " أي : قال سراقة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر : إني أراكما قد دعوتما علي فادعوا لي فالله لكما . قوله : " فالله " بالرفع مبتدأ . وقوله : " لكما " خبره أي : ناصر لكما . قوله : " أن أرد عنكما " أي : ادعوا لأن أرد فهو علة للدعاء ، ويروى بنصب لفظة الله أي : [16/149] فأشهد الله لأجلكما أن أرد عنكما الطلب وقيل : بالجر أيضا بنزع الخافض ، والتقدير أقسم بالله لكما بأن أرد الطلب ، وهو جمع طالب وفي شرح السنة أقسم بالله لكما على الرد . قوله : " فنجا " أي : من الارتطام . قوله : " إلا قال كفيتكم " ويروى كفيتم . قوله : " ما هنا " يعني ما هنا الذي تطلبونه . قوله : " فلا يلقى أحدا إلا رده " بيان قوله : " ما هنا " . قوله : " ووفى لنا " أي : وفى سراقة بما وعده من رد الطلب . وفي هذا الحديث معجزة لرسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم وفضيلة لأبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وفيه خدمة التابع للمتبوع واستصحاب الركوة في السفر ، وفضل التوكل على الله تعالى ، وأن الرجل الجليل إذا نام يدافع عنه ، وقال الخطابي : استدل به بعض شيوخ السوء من المحدثين على الأخذ على الحديث ؛ لأن عازبا لم يحمل الرحل حتى يحدثه أبو بكر بالقصة ، وليس الاستدلال صحيحا ؛ لأن هؤلاء اتخذوا الحديث بضاعة يبيعونها ويأخذون عليها أجرا ، وأما ما التمسه أبو بكر من تحميل الرحل فهو من باب المعروف ، والعادة المقررة أن تلامذة التجار يحملون الأثقال إلى بيت المشتري ، ولو لم يكن ذلك لكان لا يمنعه إفادة القصة قال تعالى : اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ
|
|
|