124 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن عبد الله بن أبي حسين ، حدثنا نافع بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته وقدمها في بشر كثير من قومه ، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس ، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال : لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ، ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي أريت فيك ما رأيت ، فأخبرني أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي ، فكان أحدهما العنسي والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " فأولتهما كذابين " إلى آخره لأن فيه إخبارا عنه صلى الله عليه وسلم بأمر قد وقع بعضه في أيامه ، وبعضه بعده فإن العنسي قتل في أيامه ومسيلمة قتل بعده في وقعة اليمامة ، قتله وحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنه . فإن قلت : قال : يخرجان بعدي ومسيلمة خرج بعده ، وأما العنسي فإنه خرج في أيامه . قلت : معنى قوله : بعدي يعني بعد ثبوت نبوتي أو بعد دعواي النبوة .
وأبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، وعبد الله بن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي مر في البيع ، ونافع بن جبير بن مطعم مر في الوضوء .
والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن أبي اليمان أيضا ، وأخرجه مسلم في الرؤيا عن محمد بن سهل عن أبي اليمان به ، وأخرجه الترمذي فيه عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن أبي اليمان بقصة الرؤيا دون قصة مسيلمة وقال : غريب . وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن منصور ، عن أبي اليمان .
( ذكر معناه ) قوله : " قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي : على زمنه ، وكان قدومه في سنة تسع من الهجرة وهي سنة الوفودات . قال ابن إسحاق : قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب وقال ابن هشام : هو مسيلمة بن ثمامة ويكنى أبا ثمامة ، وقال السهيلي : هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن همان بن ذهل بن الدؤل بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة ، وقيل : أبا هارون ، وكان قد تسمى بالرحمن ، وكان يقال له رحمن اليمامة ، وكان يعرف أبوابا من النيرنجات فكان يدخل البيضة في القارورة وهو أول من فعل ذلك ، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها . قال الواقدي : وكان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة ، وفيهم طلق بن علي وعلي بن سنان ، ومسيلمة بن حبيب الكذاب فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث ، وأجريت عليهم الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء ، مرة خبزا ولحما ، ومرة خبزا ولبنا ، ومرة خبزا وسمنا ، ومرة تمرا ينثر لهم ، فلما قدموا المسجد وأسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم ، ولما أردوا الانصراف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة ، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم لما ذكروا أنه في رحالهم فقال : أما أنه ليس بشركم مكانا ، فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه قال : إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده ، وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة . وقال ابن إسحاق : ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم ، وقال : إني اشتركت معه [16/152] في الأمر ، ثم جعل يسجع لهم السجعات مضاهيا للقرآن فأصعقت على ذلك بنو حنيفة ، وقتل في أيام أبي بكر الصديق في وقعة اليمامة ، قتله وحشي قاتل حمزة كما ذكرناه ، وكان عمره حين قتل مائة وخمسين سنة . قوله : " فأقبل إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " تألفا له ولقومه رجاء إسلامهم ، وليبلغ ما أنزل إليه . وقال القاضي عياض : يحتمل أن سبب مجيئه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه فجاءه مكافأة قال : وكان مسيلمة حينئذ يظهر الإسلام ، وإنما ظهر كفره بعد ذلك . قوله : " ومعه ثابت بن قيس بن شماس " خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يجاوب الوفود عن خطبهم . قوله : " وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم " الواو فيه للحال . قوله : " لن تعدو أمر الله فيك " أي : خيبتك فيما أملته من النبوة وهلاكك دون ملكك ، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى وقدره في شقاوتك ، ويروى لن تعد بحذف الواو للجزم ، والجزم بلن لغة حكاها الكسائي . قوله : " ولئن أدبرت " أي : عن طاعتي " ليعقرنك الله " أي : ليقتلنك ويهلكك ، وأصله من عقر الإبل ضرب قوائمها بالسيف وجرحها ، وكان كذلك قتله الله عز وجل يوم اليمامة . قوله : " وإني لأراك " بضم الهمزة أي : لأظنك الشخص الذي رأيت في المنام في حقك ما رأيته .
قوله : " فأخبرني أبو هريرة " أي : قال ابن عباس : أخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخره . وفي مسلم " وإني لأراك الذي أريت قبل ما أريت " وهذا ثابت يجيبك عني ، ثم انصرف عنه فقال ابن عباس : فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإني لأراك الذي أريت " فأخبرني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين . الحديث وهذا يعد من مسند أبي هريرة دون ابن عباس ، فلذلك ذكره الحافظ المزي في مسند أبي هريرة . قوله : " سوارين من ذهب " بضم السين وكسرها . وقال النووي : قال أهل اللغة : أسوار أيضا بضم الهمزة وفيه ثلاث لغات ، وفي التوضيح قوله : " من ذهب " للتأكيد لأن السوار لا يكون إلا من ذهب ، فإن كان من فضة فهو قلب .
قوله : " فأهمني شأنهما " أي : أحزنني أمرهما . قوله : " أن انفخهما " أي : انفخ السوارين وهو أمر من النفخ ، فلما أمر بالنفخ نفخهما ، وتأويل نفخهما أنهما قتلا بريحه " أي : أن الأسود ومسيلمة قتلا بريحه . والذهب زخرف يدل على زخرفهما ودلا بلفظهما على ملكين لأن الأساورة هم الملوك ، وفي النفخ دليل على اضمحلال أمرهما ، وكان كذلك قوله : " فأولتهما " أي : السوارين .
قوله : " يخرجان بعدي " قال النووي : أي يظهران شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة ، وإلا فقد كانا في زمنه انتهى . وقد ذكرنا أن المراد بعد دعواي النبوة أو بعد ثبوت نبوتي قوله : " فكان أحدهما " أي : أحد السوارين في التأويل العنسي بفتح العين المهملة وسكون النون وبالسين المهملة ، وهو نسبة الأسود الصنعاني الذي ادعى النبوة وقيل : اسمه عبلة بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ابن كعب ، وكان يقال : له ذو الخمار لأنه زعم أن الذي يأتيه ذو الخمار قتله فيروز الصحابي الديلي بصنعاء ، دخل عليه فحطم عنقه ، وهذا كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه على الأصح والمشهور ، وبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة بذلك ، ثم بعده حمل رأسه إليه وقيل : كان ذلك في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه ، والعنسي نسبة إلى عنس قال الرشاطي : اسمه زيد بن مالك بن أدد ، ومالك هو جماع مذحج قال ابن دريد : العنس الناقة الصلبة .
قوله : " والآخر " أي : السوار الآخر في التأويل مسيلمة الكذاب . قوله : " اليمامة " بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف الميمين وهي مدينة باليمن على أربع مراحل من مكة شرفها الله ومرحلتين من الطائف قيل : سميت بذلك باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام يقال : هو أبصر من زرقاء اليمامة ، فسميت اليمامة ؛ لكثرة ما أضيف إليها ، والنسبة إليها يمامي.