بسم الله الرحمن الرحيم
باب قول الله تعالى : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ


أي : هذا باب في بيان ما جاء من ذكر قول الله تعالى : يَعْرِفُونَهُ الآية . وأول الآية الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ الآية . أخبر الله تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده ، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا ، قال القرطبي : ويروى أن عمر رضي الله تعالى عنه قال لعبد الله بن سلام : أتعرف محمدا كما تعرف ابنك؟ قال : نعم وأكثر نزل الأمين من السماء بنعته فعرفته ، وإنني لا أدري ما كان من أمه وقيل : يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم من بين أبناء الناس ، لا يشك أحد ولا يتمارى في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم ، ثم أخبر الله تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان العلمي لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي : ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أي : والحال أنهم يعلمون الحق .
فإن قلت : ما وجه دخول هذا الباب المترجم في أبواب علامات النبوة المذكورة؟ قلت : من جهة أنه أشار في الحديث إلى حكم التوراة ، والنبي صلى الله عليه وسلم سألهم عما في التوراة في حكم من زنى ، والحال أنه لم يقرأ التوراة ولا وقف عليها قبل ذلك ، فظهر الأمر كما أشار إليه وهو أيضا من أعظم علامات النبوة .
136 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام : كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فقالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما ، قال عبد الله : فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة

[16/161] وجه المطابقة قد ذكرناه الآن ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في المحاربين عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه مسلم في الحدود عن أبي الطاهر ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به ، وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن موسى ، عن معمر عنه به مختصرا ، وأخرجه النسائي في الرجم عن قتيبة عنه بتمامه .
قوله : " فذكروا له " أي : للنبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " أن رجلا منهم " أي : من اليهود وامرأة زنيا ، وفي رواية مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم في الزنا يهوديين رجل وامرأة زنيا ، فأتت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما الحديث . قوله : " ما تجدون في التوراة " هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم ، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ، ولعله صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء ، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم ، ولذلك لم يخف عليه حين كتموه . قوله : " في شأن الرجم " أي : في أمره وحكمه . قوله : " فقالوا نفضحهم " أي : نكشف مساوئهم والاسم الفضيحة من فضح فلان فلانا إذا كشف مساوئه وبينهما للناس ، وفي رواية مسلم " نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما " . قوله : " ونحملهما " بالحاء واللام في أكثر الروايات ، وفي بعضها " نجملهما " بالجيم المفتوحة وفي بعضها " نحممهما " بميمين وكله متقارب ، فمعنى نحملهما يعني على الجمل ، ومعنى الثاني نجعلهما جميعا على الجمل ، ومعنى الثالث نسود وجوههما بالحمم بضم الحاء وفتح الميم وهو الفحم .
قوله : " فقال عبد الله بن سلام " بتخفيف اللام ابن الحارث وهو إسرائيلي من بني قينقاع ، وهو من ولد يوسف الصديق ، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فغيروه وكان حليف الأنصار ، مات سنة ثلاث وأربعين في ولاية معاوية بالمدينة ، شهد له الشارع بالجنة . قوله : " إن فيها " أي : أن في التوراة الرجم على الزاني . قوله : " فوضع أحدهم " أي : أحد اليهود هو عبد الله بن صوريا الأعور ، وقال المنذري : إنه ابن صوري ، وقيده بعضهم بكسر الصاد . قوله : " يحنأ " بفتح الياء آخر الحروف وسكون الحاء المهملة وفتح النون وبالهمزة في آخره قال الخطابي : من حنيت الشيء أحنيه إذا غطيته ، والمحفوظ بالجيم والهمزة من جنأ الرجل على الشيء يجنأ إذا أكب عليه قيل : فيه سبع روايات كلها راجعة إلى الوقاية . قوله : " يقيها " من وقى يقي وقاية وهو الحفظ من وصول الحجارة إليها .
( ذكر ما يستفاد منه ) فمنه أن الشافعي وأحمد احتجا به أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان ، وبه قال أبو يوسف ، وعند أبي حنيفة ومحمد من شروط الإحصان الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم : " من أشرك بالله فليس بمحصن " والجواب عن الحديث أن ذلك كان بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل صلى الله عليه وسلم المدينة فصار منسوخا بها . ومنه وجوب حد الزنا على الكافر ، ومنه أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع ، وفيه خلاف فقيل : لا يخاطبون بها وقيل : هم مخاطبون بالنهي دون الأمر . ومنه أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا قاله النووي .
قلت : اختلف العلماء في الحكم بينهم إذا ارتفعوا إلينا أواجب علينا أم نحن فيه مخيرون؟ فقالت جماعة من فقهاء الحجاز والعراق : إن الإمام أو الحاكم مخير إن شاء حكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الإسلام ، وإن شاء أعرض عنهم ، وممن قال ذلك مالك والشافعي في أحد قوليه ، وهو قول عطاء والشعبي والنخعي . وروي عن ابن عباس في قوله : فَإِنْ جَاءُوكَ قال : نزلت في بني قريظة وهي محكمة قال عامر والنخعي : إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم ، وقال ابن القاسم : إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعا فلا يحكم بينهما إلا برضا من أساقفهما ، فإن كره ذلك أساقفهم فلا يحكم بينهم ، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما . وقال الزهري : مضت السنة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حكمنا فنحكم بينهم بكتاب الله تعالى . وقال آخرون : واجب على الحاكم أن يحكم بينهم إذا تحاكموا إليه بحكم الله تعالى ، وزعموا أن قوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ناسخ للتخيير في الحكم بينهم في الآية التي قبل هذه ، روي ذلك عن ابن عباس من حديث سفيان بن حسين والحكم عن مجاهد عنه ، ومنهم من يرويه عن سفيان والحكم عن مجاهد . قوله : وهو صحيح عن مجاهد وعكرمة وبه قال الزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي الشافعي إلا أن أبا حنيفة قال : إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم ، وقال صاحباه : يحكم وكذا اختلف أصحاب مالك .