|
161 - حدثني هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا زيد بن واقد ، عن بسر بن عبيد الله ، عن عائذ الله أبي إدريس ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال : يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال : يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر؟ فقالوا : لا فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فجعل وجه النبي صلى الله [16/180] عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال : يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال أبو بكر : صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها .
مطابقته للترجمة ظاهرة وهشام بن عمار بن نصير أبو الوليد السلمي الدمشقي ، وصدقة بن خالد أبو العباس مولى أم البنين بنت أبي سفيان بن حرب أخت معاوية ، وزيد بن واقد بكسر القاف الدمشقي ثقة قليل الحديث ، وليس له في البخاري غير هذا الحديث وبسر بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة الحضرمي الشامي ، وعائذ الله بالذال المعجمة من العوذ ابن عبد الله الخولاني بفتح الخاء المعجمة وبالنون ، وكنيته أبو إدريس ، وهؤلاء كلهم شاميون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن عبد الله قيل : إنه ابن حماد الأيلي وهو من أفراده . قوله : " عن بسر بن عبيد الله " وفي رواية عبد الله بن العلاء عند البخاري في التفسير حدثني بسر بن عبيد الله ، حدثني أبو إدريس سألت أبا الدرداء . قوله : " أما صاحبكم " وفي رواية الكشميهني أما صاحبك بالإفراد . قوله : " فقد غامر " بالغين المعجمة أي : خاصم ولابس الخصومة ونحوها من الأمور يقال : دخل في غمرة الخصومة وهي معظمها ، وغمر الحرب ونحوها ، والمغامر الذي يرمي بنفسه في الأمور والحروب وقيل : من المعاجلة أي : سارع . قوله : " فسلم " بتشديد اللام من السلام ، ووقع عند أبي نعيم في الحلية " حتى سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الرد ، وهو مما يحذف للعلم به وقسيم إما محذوف نحوه وإما غيره فلا أعلمه . قوله : " أثم " بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم والهمزة للاستفهام " أي : أهنا أبو بكر . قوله : " شيء " وفي رواية التفسير بيني وبينه محاورة بالحاء المهملة " أي : مراجعة . قوله : " ندمت " زاد محمد بن المبارك على ما كان . قوله : " فسألته أن يغفر لي " وفي رواية التفسير " أن يستغفر له " فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه . قوله : " فأبى علي " زاد محمد بن المبارك " فتبعته إلى البقيع حتى خرج من داره " . قوله : " ثلاثا " أي : أعاد هذه الكلمة ثلاث مرات . قوله : " يتمعر " بالعين المهملة المشددة " أي : تذهب نضارته من الغضب ، وأصله من المعر وهو الجدب يقال : أمعر المكان إذا أجدب ويقال : معناه يتغير لونه من الضجر ويقال : ذهب رونقه حتى صار كالمكان الأمعر . قوله : " حتى أشفق أبو بكر " أي : حتى خاف أبو بكر أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر ما يكره . قوله : " فجثا " بالجيم والثاء المثلثة أي : برك على ركبتيه . قوله : " أنا كنت أظلم " أي : من عمر في القصة المذكورة ، وإنما قال ذلك لأنه كان البادي . قوله : " مرتين " أي : قال ذلك القول مرتين . وقال الكرماني : مرتين ظرف لقال أو لقوله " كنت " . قوله : " وواساني " وفي رواية الكشميهني " وحده واساني " والأول أوجه لأنه من المواساة . قوله : " تاركو لي صاحبي " وفي رواية التفسير " تاركون لي " على الأصل . قوله : " لي " فصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الاختصاص ، وذلك جائز كقول الشاعر :
| فرشني بخير لا أكونن ومدحتي | | كناحت يوما صخرة بعسيل | قلت : رشني أمر من راش يريش يقال : رشت فلانا أصلحت حاله ، والواو في ومدحتي للمصاحبة أي : مع مدحتي ، والاستشهاد فيه في قوله : يوما فإنه ظرف فصل به بين المضاف وهو قوله : كناحت وبين المضاف إليه وهو صخرة ، والتقدير كناحت صخرة يوما بعسيل بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة ، وهو قضيب الفيل قاله الجوهري ، وبهذا يرد على أبي البقاء حيث يقول : إن حذف النون من خطأ الرواة لأن الكلمة ليست مضافة ولا فيها ألف ولام ، وإنما يجوز في هذين الموضعين ، ولا وجه لإنكاره لوقوع مثل هذه كثيرا في الأشعار ، وفي القرآن أيضا في قراءة ابن عامر " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم " بنصب أولادهم وجر شركائهم . قوله : " فما أوذي بعدها " أي : فما أوذي أبو بكر بعد هذه القضية لأجل ما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم لهم من تعظيمه أبا بكر رضي الله تعالى عنه . وفي هذا الحديث فوائد الدلالة على فضل أبي بكر على جميع الصحابة ، وليس ينبغي للفاضل أن يغاضب من هو أفضل منه ، وجواز مدح الرجل في وجهه ، ومحله إذا أمن عليه الافتتان [16/181] والاغترار ، وفيه ما طبع عليه الإنسان من البشرية حتى يحمله الغضب على ارتكاب خلاف الأولى ، لكن الفاضل في الدين يسرع الرجوع إلى الأول لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا وفيه أن غير النبي صلى الله عليه وسلم ولو بلغ في الفضل الغاية فليس بمعصوم ، وفيه استحباب سؤال الاستغفار والتحلل من المظلوم ، وفيه أن من غضب على صاحبه نسبه إلى أبيه أو جده ولم يسمه باسمه ، وذلك من قول أبي بكر لما جاء وهو غضبان من عمر كان بيني وبين ابن الخطاب فلم يذكره باسمه ، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم : " ألا إن كان ابن أبي طالب يريد أن ينكح ابنتهم " وفيه أن الركبة ليست بعورة .
|
|
|