|
192 - حدثني أحمد بن شبيب بن سعيد ، قال : حدثني أبي ، عن يونس ، قال ابن شهاب : أخبرني عروة ، أن عبيد الله بن عدي بن الخيار ، أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، قالا : ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه ، فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة ، قلت : إن لي إليك حاجة ، وهي نصيحة لك ، قال : يا أيها المرء - [16/203] قال معمر : أراه قال : أعوذ بالله منك ، فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان ، فأتيته فقال : ما نصيحتك ؟ فقلت : إن الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، فهاجرت الهجرتين ، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأيت هديه ، وقد أكثر الناس في شأن الوليد ، قال : أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لا ، ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها . قال : أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وآمنت بما بعث به ، وهاجرت الهجرتين كما قلت ، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبايعته ، فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ثم أبو بكر مثله ، ثم عمر مثله ثم استخلفت ، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم ؟ قلت : بلى . قال : فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم ؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله ، ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " ثم دعا عليا رضي الله تعالى عنه... إلى آخره " من حيث إنه أقام الحد على أخيه فهذا فيه دلالة على مراعاة الحق . وفيه منقبة من مناقبه . وأحمد بن شبيب بن سعيد أبو عبد الله الحبطي البصري ، وأبوه شبيب بن سعيد يروي عن يونس بن يزيد ، روى عنه ابنه هنا ، وفي الاستقراض مفردا ، وفي غير موضع مقرونا ، وعروة بن الزبير ، وعبيد الله بن عدي بفتح العين المهملة ، وكسر الدال المهملة ابن الخيار النوفلي الفقيه ، والمسور بن مخرمة بفتح الميم في الأب وكسرها في الابن ، وقد مرا عن قريب ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث بفتح الياء آخر الحروف وضم الغين المعجمة وفي آخره ثاء مثلثة القرشي الزهري المديني ، وهو من أفراد البخاري . قوله : " ما يمنعك " الخطاب لعبيد الله بن عدي ، وفي رواية معمر عن الزهري التي تأتي في هجرة الحبشة قالا : ما يمنعك أن تكلم خالك ؛ لأن عبيد الله هذا هو ابن أخت عثمان بن عفان . قوله : " لأخيه " أي : لأجل أخيه . وفي رواية الكشميهني : في أخيه الوليد بن عقبة ، وصرح بذلك في رواية معمر ، وكان الوليد هذا أخا عثمان لأمه وعقبة هو ابن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس ، وكان عثمان رضي الله تعالى عنه ولى الوليد الكوفة ، وكان عاملا بالجزيرة على عربها ، وكان على الكوفة سعد بن أبي وقاص ، وكان عثمان ولاه لما ولي الخلافة بوصية من عمر رضي الله تعالى عنه ، وكان عمر قد عزله عن الكوفة كما ذكرنا . ثم عزل عثمان سعدا عن الكوفة ، وولى الوليد عليها ، وكان سبب العزل أن عبد الله بن مسعود كان على بيت المال في الكوفة ، فاقترض منه سعد مالا فجاء يتقاضاه فاختصما ، فبلغ عثمان فغضب عليهما ، وعزل سعدا ، واستحضر الوليد من الجزيرة ، وولاه الكوفة . قوله : " فقد أكثر الناس فيه " أي : في الوليد ، يعني أكثروا فيه من الكلام في حقه بسبب ما صدر منه ، وكان قد صلى بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات ، ثم التفت إليهم ، فقال : أزيدكم ، وكان سكرانا وبلغ الخبر بذلك إلى عثمان ، وترك إقامة الحد عليه فتكلموا بذلك فيه ، وأنكروا أيضا على عثمان عزل سعد بن أبي وقاص مع كونه أحد العشرة ومن أهل الشورى ، واجتمع له من الفضل والسن والعلم والدين والسبق إلى الإسلام ما لم يتفق منه شيء للوليد بن عقبة ، ثم لما ظهر لعثمان سوء سيرته عزله ، ولكن أخر إقامة الحد عليه ليكشف عن حال من يشهد عليه بذلك ، فلما ظهر له الأمر أمر بإقامة الحد عليه كما نذكره ، وروى المدايني من طريق الشعبي أن عثمان لما شهدوا عنده على الوليد حبسه . قوله : " فقصدت " القائل هو عبيد الله بن عدي حاصل المعنى أنه قصد الحضور عند عثمان حتى خرج إلى الصلاة ، وفي رواية الكشميهني : حين خرج ، والمعنى على هذه الرواية صادف عبيد الله وقت خروج عثمان إلى الصلاة ، وعلى الرواية الأولى أنه جعل قصده منتظرا خروج عثمان . قوله : " وهي نصيحة لك " الواو فيه للحال ، ولفظة هي ترجع إلى الحاجة . قوله : " قال " أي : [16/204] قال عثمان " يا أيها المرء منك " يخاطب بذلك عبيد الله بن عدي تقديره : أعوذ بالله منك ، وقد صرح معمر بذلك في روايته في هجرة الحبشة على ما يأتي ، وأشار إليه هاهنا بقوله : " قال معمر : أراه قال : أعوذ بالله منك ، أي : قال معمر بن راشد البصري ، وكان قد سكن اليمن . قوله : " أراه " أي : أظنه . قال : أيها المرء أعوذ بالله منك . وقال ابن التين : إنما استعاذ منه خشية أن يكلمه بشيء يقتضي الإنكار عليه ، وهو في ذلك معذور فيضيق بذلك صدره . قوله : " فانصرفت " أي : من عند عثمان رضي الله تعالى عنه . قوله : " فرجعت إليهم " أي : إلى المسور بن مخرمة ، وعبد الرحمن بن الأسود ، ومن كان عندهما ، وفي رواية معمر : فانصرفت فحدثتهما ، أي : المسور وعبد الرحمن بن الأسود ، ومن كان عندهما بالذي قلت لعثمان فقالا : قد قضيت الذي عليك . قوله : " إذ جاء رسول عثمان " كلمة " إذ " للمفاجأة . وفي رواية معمر : فبينما أنا جالس معهما إذ جاء رسول عثمان ، فقال لي : قد ابتلاك الله فانطلقت . قوله : " فأتيته " أي : فأتيت عثمان ، فقال : ما نصيحتك ؟ أراد بها ما في قوله لما جاء إليه ، وقال له : إن لي إليك حاجة ، وهي نصيحة لك . قوله : " فقلت " أشار به إلى تفسير تلك النصيحة بالفاء التفسيرية ، وهي من قوله : " إن الله سبحانه " إلى قوله : " أدركت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " وكنت " بفتح تاء الخطاب ، يخاطب به عثمان ، وكذا بفتح التاء في قوله : " هاجرت وصحبت ورأيت " وأراد بالهجرتين : الهجرة إلى الحبشة ، والهجرة إلى المدينة . قوله : " ورأيت هديه " بفتح الهاء وسكون الدال أي : رأيت طريقته . قوله : " وقد أكثر الناس في شأن الوليد " أي : أكثروا فيه الكلام بسبب شربه الخمر ، وسوء سيرته . وزاد معمر في روايته عقيب هذا الكلام : وحق عليك أن تقيم عليه الحد . قوله : " قال أدركت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم " أي : قال عثمان لعبيد الله بن عدي يخاطب بقوله : " أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية معمر : فقال لي : يا ابن أختي . وفي رواية صالح بن الأخضر عن الزهري عند عمر بن شبه : هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : لا ، ومراده بالإدراك إدراك السماع ، والأخذ عنه ، وبالرؤية رؤية المميز له ، ولم يرد نفي الإدراك بالعين فإنه ولد في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . وقال ابن ماكولا : ولد على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقتل أبوه يوم بدر كافرا ، وقال ابن سعد في طبقة الفتحيين ، والمدائني ، وعمر بن شبة في ( أخبار المدينة ) : إن هذه القصة المحكية هاهنا وقعت لعدي بن الخيار نفسه مع عثمان رضي الله تعالى عنه ، والله أعلم . قوله : " قلت : لا " أي : ما رأيته ، ولكن أدركت زمانه . قوله : " خلص " بفتح اللام يقال : خلص فلان إلى فلان أي : وصل إليه ، وضبطه بعضهم بضم اللام ، وأظنه غير صحيح ، وفي حديث المعراج : فلما خلصت لمستوى أي : وصلت وبلغت ، وقد ضبط بفتح اللام . قوله : " إلى العذراء " وهي البكر ، وأراد عبيد الله بن عدي بهذا الكلام أن علم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن مكتوما ولا خاصا ، بل كان شائعا ذائعا حتى وصل إلى العذراء المخدرة في بيتها ، فوصوله إليه مع حرصه عليه بالطريق الأولى . قوله : " كما قلت " بفتح التاء خطاب لعبيد الله بن عدي ، وجه التشبيه فيه بيان حال وصول علم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعني كما وصل علم الشريعة إليها من وراء الحجاب ، فوصوله إليه بالطريق الأحرى . قوله : " ثم أبو بكر مثله " أراد ثم صحبت أبا بكر رضي الله تعالى عنه ، وما عصيته ، وما غششته مثل ما فعلت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " ثم عمر مثله " يعني ثم صحبت عمر أيضا فما فعلت شيئا من ذلك . قوله : " ثم استخلفت " على صيغة المجهول . قوله : " أفليس لي " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار أي : أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم علي . قوله : " . قلت بلى " القائل هو عبيد الله بن عدي . قوله : " فما هذه الأحاديث " جمع أحدوثة ، وهي ما يتحدث به ، وهي التي كانوا يتكلمون بها من تأخيره إقامة الحد على الوليد . قوله : " ثم دعا عليا " هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، فأمره أن يجلده أي : فأمر عثمان عليا أن يجلد الوليد بن عقبة ، ويجلده بالضمير المنصوب في رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : أن يجلد بلا ضمير . قوله : " فجلده ثمانين " وفي رواية معمر : فجلد الوليد أربعين جلدة . قيل : هذه الرواية أصح من رواية يونس ، والوهم فيه من الراوي عنه شبيب بن سعيد ، والمرجح لرواية معمر ما رواه مسلم من طريق أبي ساسان قال : شهدت عثمان أتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ، ثم قال : أزيدكم ، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران ، يعني مولى عثمان بن عفان أنه قد شرب الخمر ، فقال عثمان : قم يا علي فاجلده ، فقال علي : قم يا حسن فاجلده ، فقال الحسن : [16/205] ول حارها من تولى قارها ، فكأنه وجد عليه ، فقال : يا عبد الله بن جعفر ، قم فاجلده ، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين ، فقال : أمسك ثم قال : جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ، وأبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين ، وكل سنة ، وهذا أحب إلي ، انتهى . فإن قلت : من الشاهد الآخر الذي لم يسم في هذه الرواية ؟ قلت : قيل : هو الصعب بن جثامة الصحابي المشهور ، رواه يعقوب بن سفيان في ( تاريخه ) ، وعند الطبري من طريق سيف في ( الفتوح ) أن الذي شهد عليه ولد الصعب ، واسمه جثامة كاسم جده ، وفي رواية أخرى أن ممن شهد عليه أبا زينب بن عوف الأزدي ، وأبا مورع الأسدي أبو زينب اسمه زهير بن الحارث بن عوف بن كاسي الحجر . وقال أبو عمر : من ذكره في الصحابة فقد أخطأ ، ليس له شيء يدل على ذلك ، وأبو المورع ... وذكر المسعودي في ( المروج ) أن عثمان قال للذين شهدوا : ما يدريكم أنه شرب الخمر ؟ قالوا : هي التي كنا نشربها في الجاهلية ، وذكر الطبري أن الوليد ولي الكوفة خمس سنين . قالوا : وكان جوادا فولى عثمان بعده سعيد بن العاص ، فسار فيهم سيرة عادلة ، وكانت تولية عثمان سعيد بن العاص الكوفة في سنة ثلاثين من الهجرة ، وفتح سعيد هذا طبرستان في هذه السنة ، وقال الواقدي : لما ولى عثمان سعيد بن العاص الكوفة وقدمها قال : لا أصعد المنبر حتى تغسلوه من آثار الوليد الفاسق ، فإنه نجس فاغسلوه ، ثم ظهرت بعد ذلك من سعيد بن العاص هنات . واحتج أصحابنا بهذا الحديث أن حد السكران من شرب الخمر وغيرها من الأنبذة ثمانون جلدة . وقال الشافعي : أربعون جلدة ، وبه قال أحمد في رواية ؛ لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد ، والنعال ، وضرب أبو بكر أربعين . قلنا : ما رواه كان بجريدتين والنعلين ، فكان كل ضربة بضربتين ، والذي يدل على هذا قول أبي سعيد : جلد على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الخمر بنعلين ، فلما كان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه جعل بدل كل نعل سوطا . رواه أحمد .
|