باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان رضي الله عنه وفيه مقتل عمر رضي الله عنه

أي : هذا باب في بيان قصة البيعة بعد عمر بن الخطاب ، واتفاق الصحابة على تقديم عثمان بن عفان في الخلافة .
قوله : " وفيه مقتل عمر بن الخطاب " لم يوجد إلا في رواية السرخسي ، والبيعة بفتح الباء الموحدة عبارة عن المعاقدة عليه والمعاهدة ؛ فإن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته ، ودخيلة أمره .
[16/208] 196 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن حصين ، عن عمرو بن ميمون ، قال : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة ، وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف ، قال : كيف فعلتما ؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق ؟ قالا : حملناها أمرا هي له مطيقة ، ما فيها كبير فضل ؟ قال : انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق . قال : قالا : لا ، فقال عمر : لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا ، قال : فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب ، قال : إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب ، وكان إذا مر بين الصفين قال : استووا حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم فكبر ، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول : قتلني - أو : أكلني - الكلب حين طعنه ، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يمينا ولا شمالا إلا طعنه ، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة ، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا ، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه ، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه ، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى ، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر ، وهم يقولون : سبحان الله ، سبحان الله ، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة ، فلما انصرفوا قال : يا ابن عباس انظر من قتلني ، فجال ساعة ثم جاء ، فقال غلام المغيرة : قال الصنع ؟ قال : نعم . قال : قاتله الله لقد أمرت به معروفا ، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام ، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة ، وكان العباس أكثرهم رقيقا ، فقال : إن شئت فعلت - أي : إن شئت قتلنا - قال : كذبت بعدما تكلموا بلسانكم ، وصلوا قبلتكم ، وحجوا حجكم ، فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه ، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ ، فقائل يقول : لا بأس ، وقائل يقول : أخاف عليه ، فأتي بنبيذ فشربه فخرج من جوفه ، ثم أتي بلبن فشربه فخرج من جرحه ، فعلموا أنه ميت فدخلنا عليه ، وجاء الناس يثنون عليه ، وجاء رجل شاب ، فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقدم في الإسلام ما قد علمت ، ثم وليت فعدلت ، ثم شهادة ، قال : وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي ، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض ، قال : ردوا علي الغلام . قال : ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك ، يا عبد الله بن عمر انظر ما علي من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه ، قال : إن وفى له مال آل عمر فأده من أموالهم ، وإلا فسل في بني عدي بن كعب ، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم ، فأد عني هذا المال ، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين ، فقل : يقرأ عليك عمر السلام ، ولا تقل : أمير المؤمنين ؛ فإني لست اليوم [16/209] للمؤمنين أميرا ، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه ، فسلم واستأذن ، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي ، فقال : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه ، فقالت : كنت أريده لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي ، فلما أقبل قيل : هذا عبد الله بن عمر قد جاء . قال : ارفعوني فأسنده رجل إليه ، فقال : ما لديك ؟ قال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت . قال : الحمد لله ما كان من شيء أهم إلي من ذلك ، فإذا أنا قضيت فاحملوني ، ثم سلم فقل يستأذن عمر بن الخطاب ، فإن أذنت لي فأدخلوني ، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين ، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها ، فلما رأيناها قمنا فولجت عليه ، فبكت عنده ساعة ، واستأذن الرجال فولجت داخلا لهم ، فسمعنا بكاءها من الداخل ، فقالوا : أوص يا أمير المؤمنين ، استخلف ، قال : ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، فسمى عليا ، وعثمان ، والزبير ، وطلحة ، وسعدا ، وعبد الرحمن ، وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر ، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له ، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك ، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر ؛ فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة ، وقال أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ، ويحفظ لهم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أن يقبل من محسنهم ، وأن يعفى عن مسيئهم ، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا ؛ فإنهم ردء الإسلام ، وجباة المال ، وغيظ العدو ، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم ، وأوصيه بالأعراب خيرا ؛ فإنهم أصل العرب ، ومادة الإسلام أن يؤخذ من حواشي أموالهم وترد على فقرائهم ، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ، ولا يكلفوا إلا طاقتهم ، فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي ، فسلم عبد الله بن عمر ، قال : يستأذن عمر بن الخطاب ، قالت : أدخلوه فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه ، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط ، فقال عبد الرحمن : اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم ، فقال الزبير : قد جعلت أمري إلى علي ، فقال طلحة : قد جعلت أمري إلى عثمان ، وقال سعد : قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف ، فقال : عبد الرحمن أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه ، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان ، فقال عبد الرحمن : أفتجعلونه إلي ، والله علي أن لا آلو عن أفضلكم ، قالا : نعم ، فأخذ بيد أحدهما ، فقال : لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقدم في الإسلام ما قد علمت ، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر ، فقال له مثل ذلك ، فلما أخذ الميثاق قال : ارفع يدك يا عثمان ، فبايعه فبايع له علي ، وولج أهل الدار فبايعوه .

[16/210] مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الحديث يشتمل على جميع ما في الترجمة ، وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري البصري الذي يقال له : التبوذكي ، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وحصين ، بضم الحاء ، وفتح الصاد بالمهملتين ، وبالنون ابن عبد الرحمن الكوفي ، وعمرو بن ميمون الأودي أبو عبد الله الكوفي أدرك الجاهلية ، وروى عن جماعة من الصحابة ، وكان بالشام ، ثم سكن الكوفة .
وقد مضى قطعة من هذا الحديث في كتاب الجنائز في باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم .
ذكر معناه .
قوله : " قبل أن يصاب " أي : قبل أن يقتل بأيام أي : أربعة لما سيأتي .
قوله : " حذيفة بن اليمان " وهو حذيفة بن حسيل ، ويقال : أحسل بن جابر أبو عبد الله العبسي حليف بني الأشهل صاحب سر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، واليمان لقب حسيل ، وإنما لقب به ؛ لأنه حالف اليمانية .
قوله : " وعثمان بن حنيف " بضم الحاء المهملة ، وفتح النون ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره فاء ابن واهب الأنصاري الأوسي الصحابي ، وهو أحد من تولى مساحة سواد العراق بأمر عمر بن الخطاب ، وولاه أيضا السواد مع حذيفة بن اليمان .
قوله : " قال كيف فعلتما " أي : قال عمر لحذيفة وعثمان : كيف فعلتما في أرض سواد العراق توليتما مسحها .
قوله : " أتخافان أن تكونا حملتما الأرض " أي : هل تخافان بأن تكونا أي : من كونكما قد حملتما الأرض أي : أرض العراق ما لا تطيق حمله ، وذلك لأنه كان بعثهما يضربان الخراج عليها ، والجزية على أهلها فسألهما هل فعلا ذلك أم لا ، فأجابا وقالا : حملناها أمرا هي أي الأرض المذكورة ، وهو في محل الرفع على الابتداء .
قوله : " له " أي : لما حملناها مطيقة خبر المبتدأ ، يعني ما حملناها شيئا فوق طاقتها ، وروى ابن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل ، عن حصين بهذا الإسناد ، فقال حذيفة : لو شئت لأضعفت أي : جعلت خراجها ضعفين ، وروى من طريق الحكم ، عن عمرو بن ميمون ، أن عمر رضي الله تعالى عنه قال لعثمان بن حنيف : لئن زدت على كل رأس درهمين ، وعلى كل جريب درهما وقفيزا من طعام لأطاقوا ذلك ؟ قال : نعم . وقال الكرماني : ويروى " أتخافا " بحذف النون تخفيفا ، وذلك جائز بلا ناصب ولا جازم .
قوله : " قال : انظر " أي قال عمر : انظرا في التحميل ، ويجوز أن يكون هذا كناية عن الحذر ؛ لأنه مستلزم للنظر .
قوله : " قال : قالا : لا " أي : قال عمرو بن ميمون : قال حذيفة وعثمان : ما حملنا الأرض فوق طاقتها .
قوله : " فما أتت عليه " أي : على عمر رضي الله تعالى عنه إلا رابعة أي : صبيحة رابعة ، ويروى إلا أربعة أي : أربعة أيام حتى أصيب أي : حتى طعن بالسكين .
قوله : " قال : إني لقائم " أي قال عمرو بن ميمون : إني لقائم في الصف ننتظر صلاة الصبح .
قوله : " ما بيني وبينه " أي : ليس بيني وبين عمر رضي الله تعالى عنه إلا عبد الله بن عباس . وفي رواية أبي إسحاق : إلا رجلان .
قوله : " غداة " نصب على الظرف مضاف إلى الجملة أي : صبيحة الطعن .
قوله : " فيهن " أي : في الصفوف . وفي رواية الكشميهني : فيهم أي : في هل الصفوف .
قوله : " أو النحل " . شك من الراوي أي : أو سورة النحل .
قوله : " أو أكلني الكلب " شك من الراوي ، وأراد بالكلب العلج الذي طعنه ، وهو غلام المغيرة بن شعبة ، ويكنى أبو لؤلؤة ، واسمه فيروز .
قوله : " حتى طعنه " يعني طعنه ثلاث مرات ، وفي رواية أبي إسحاق : فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، ثم طعنه ثلاث طعنات فرأيت عمر يقول : دونكم الكلب فقد قتلني ، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى الزهري قال : كان عمر رضي الله تعالى عنه لا يأذن لسبي قد احتلم من دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة ، وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده صنعا ، ويستأذنه أن يدخله المدينة ، ويقول : إن عنده أعمالا ينتفع به الناس ، إنه حداد نقاش نجار ، فأذن له ، فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة فشكى إلى عمر شدة الخراج ، فقال له : ما خراجك بكثير من جنب ما تعمل ؟ فانصرف ساخطا ، فلبث عمر ليالي فمر به العبد ، فقال : ألم أحدث أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إليه عابسا ، فقال : لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها ، فأقبل عمر رضي الله تعالى عنه على من معه ، فقال : توعدني العبد ، فلبث ليالي ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه ، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس : الصلاة الصلاة ، فلما دنا عمر منه وثب عليه ، وطعنه ثلاث طعنات : إحداهن تحت السرة قد خرقت الصفاق ، وهي التي قتلته . وروى مسلم من طريق مهران بن أبي طلحة أن عمر خطب ، فقال : رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات ، ولا أراه إلا حضور أجلي .
قوله : " فطار العلج " بكسر العين المهملة ، وسكون اللام ، وفي آخره جيم ، وهو الرجل من كفار العجم ، وهذه القصة كانت في أربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين .
قوله : " حتى طعن ثلاثة عشر رجلا . وفي رواية أبي [16/211] إسحاق : اثني عشر رجلا معه ، وهو ثالث عشر ، ومنهم كليب بن البكير الليثي ، وله ولإخوته عاقل وعامر وإياس صحبة .
قوله : " مات منهم سبعة " أي : سبعة أنفس ، وعاش الباقون .
قوله : " فلما رأى ذلك رجل " قيل : هو من المهاجرين يقال له : حطان التيمي اليربوعي .
قوله : " برنسا " بضم الباء الموحدة ، وسكون الراء وضم النون وهي قلنسوة طويلة ، وقيل : كساء يجعله الرجل في رأسه ، وفي رواية ابن سعد بإسناد ضعيف منقطع قال : فطعن أبو لؤلؤة نفرا ، فأخذ أبا لؤلؤة رهط من قريش منهم عبد الله بن عوف ، وهاشم ابن عتبة الزهريان ، ورجل من بني سهم ، وطرح عليه عبد الله بن عوف خميصة كانت عليه ، فإن ثبت هذا يحمل على أن الكل اشتركوا في ذلك ، وروى ابن سعد عن الواقدي بإسناد آخر أن عبد الله بن عوف المذكور احتز رأس أبي لؤلؤة .
قوله : " فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه " وقال الكرماني : رمى رجل من أهل العراق برنسه عليه ، وبرك على رأسه ، فلما علم أنه لا يستطيع أن يتحرك قتل نفسه .
قوله : " فقدمه " أي : فقدم عمر عبد الرحمن بن عوف للصلاة بالناس ، وقد كان ذلك بعد أن كبر عمر ، وقال مالك قبل أن يدخل في الصلاة .
قوله : " صلاة خفيفة " في رواية ابن إسحاق بأقصر سورتين من القرآن : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ و إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
قوله : " قال : يا ابن عباس انظر من قتلني " . وفي رواية ابن إسحاق : فقال عمر رضي الله تعالى عنه : يا عبد الله بن عباس ، اخرج فناد في الناس أعن ملأ منكم كان هذا ، فقالوا : معاذ الله ، ما علمنا ولا اطلعنا .
قوله : " قال الصنع " أي : قال عمر : أهو الصنع بفتح الصاد المهملة وفتح النون أي : الصانع ، وفي رواية ابن أبي شيبة ، وابن سعد : الصناع بتخفيف النون ، وقال في ( الفصيح ) رجل صنع اليد واللسان ، وامرأة صناع اليد ، وفي ( نوادر أبي زيد ) : الصناع يقع على الرجل والمرأة ، وكذلك الصنع ، وكان هذا الغلام نجارا ، وقيل : نحاتا للأحجار ، وكان مجوسيا ، وقيل : كان نصرانيا .
قوله : " منيتي " بفتح الميم ، وكسر النون ، وتشديد الياء آخر الحروف أي : موتي هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : ميتتي ، بكسر الميم ، وسكون الياء آخر الحروف بعدها تاء مثناة من فوق أي : قتلتي على هذا النوع ، فإن الميتة على وزن الفعلة بكسر الفاء ، وقد علم أن الفعلة بالكسر للنوع وبالفتح للمرة .
قوله : " رجل يدعي الإسلام " وفي رواية ابن شهاب : فقال : الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط . ويستفاد من هذا أن المسلم إذا قتل متعمدا يرجى له المغفرة خلافا لمن قال من المعتزلة وغيرهم : إنه لا يغفر له أبدا .
قوله : " قد كنت أنت وأبوك " خطاب لابن عباس ، وفي رواية ابن سعد من طريق محمد بن سيرين عن ابن عباس ، فقال عمر : هذا من عمل أصحابك ، كنت أريد أن لا يدخلها علج من السبي فغلبتموني .
قوله : " فقال : إن شئت فعلت " أي : فقال ابن عباس : إن شئت يخاطب به عمر ، وفعلت بضم التاء ، وقد فسره بقوله : أي : إن شئت قتلنا . وقال ابن التين : إنما قال له ذلك لعلمه بأن عمر رضي الله تعالى عنه لا يأمره بقتلهم .
قوله : " كذبت " هو خطاب من عمر لابن عباس ، وهذا على ما ألفوا من شدة عمر في الدين ، وكان لا يبالي من مثل هذا الخطاب ، وأهل الحجاز يقولون : كذبت في موضع أخطأت .
قلت : هنا قرينة في استعمال كذبت موضع أخطأت غير موجه .
قوله : " فاحتمل إلى بيته " قال عمرو بن ميمون : فبعد ذلك احتمل عمر إلى بيته .
قوله : " فأتي بنبيذ فشرب " المراد بالنبيذ هنا تمرات كانوا ينبذونها في ماء أي : ينقعونها لاستعذاب الماء من غير اشتداد ، ولا إسكار .
قوله : " فخرج من جوفه " أي : من جرحه ، وهكذا رواية الكشميهني ، وهي الصواب ، وفي رواية ابن شهاب : فأخبرني سالم قال : سمعت عبد الله بن عمر يقول : قال عمر : أرسلوا إلى طبيب ينظر إلى جرحي . قال : فأرسلوا إلى طبيب من العرب فسقاه نبيذا فشيب النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة ، قال : فدعوت طبيبا آخر من الأنصار فسقاه لبنا ، فخرج اللبن من الطعن أبيض ، فقال : اعهد يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : صدقني ، ولو قال غير ذلك لكذبته .
قوله : " وجاء الناس يثنون عليه " وفي رواية الكشميهني : فجعلوا يثنون عليه ، وفي رواية ابن سعد من طريق جويرية بن قدامة : فدخل عليه الصحابة ثم أهل المدينة ثم أهل الشام ثم أهل العراق، فكلما دخل عليه قوم بكوا وأثنوا عليه ، وأتاه كعب أي : كعب الأحبار ، فقال : ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدا ، وأنت تقول : من أين ، وإني في جزيرة العرب ؟
قوله : " وجاء رجل شاب " وفي رواية كتاب الجنائز التي تقدمت : وولج عليه شاب من الأنصار .
قوله : " وقدم " بفتح القاف أي : فضل ، وجاء بكسر القاف أيضا ، بمعنى سبق في الإسلام ، ويقال : معناه بالفتح سابقة ، ويقال لفلان : قدم صدق أي أثرة حسنة ، وقال الجوهري : القدم السابقة في الأمر .
قوله : " ما قد علمت " في محل الرفع على [16/212] الابتداء وخبره مقدما هو قوله : " لك " .
قوله : " ثم شهادة " بالرفع عطفا على ما قد علمت ، ويجوز بالجر أيضا عطفا على قوله : " من صحبة " .
قال الكرماني : ويجوز بالنصب على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف .
قلت : تقديره ثم استشهدت شهادة ، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مفعول به ، تقديره : ثم رزقت شهادة .
قوله : " وددت " أي : أحببت أو تمنيت .
قوله : " أن ذلك كفاف " أي : أن الذي جرى كفاف بفتح الكاف ، وهو الذي لا يفضل عن الشيء ، ويكون بقدر الحاجة إليه ، ويقال : معناه أن ذلك مكفوف عني شرها ، وقيل : معناه : لا ينال مني ولا أنال منه ، وقوله : " لا علي ولا لي " أي : رضيت سواء بسواء بحيث يكف الشر عني لا عقابه علي ، ولا ثوابه لي .
قوله : " إذا إزاره " كلمة " إذا " للمفاجأة .
قوله : " أبقى لثوبك " بالباء الموحدة من البقاء ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : أنقى بالنون بدل الباء .
قوله : " ابن أخي " أي : يا ابن أخي في الإسلام .
قوله : " مال آل عمر " ، لفظة " آل " مقحمة أي : مال عمر ، ويحتمل أن يريد رهطه .
قوله : " في بني عدي " بفتح العين وكسر الدال المهملتين ، وهو الجد الأعلى لعمر رضي الله تعالى عنه أبو قبيلته ، وهم العدويون .
قوله : " ولا تعدهم " بسكون العين أي : لا تتجاوزهم .
فإن قلت : روى عمرو بن شبة في ( كتاب المدينة ) بإسناد صحيح أن نافعا مولى ابن عمر قال : من أين يكون على عمر دين ، وقد باع رجل من ورثته ميراثه بمائة ألف ؟
قلت : قيل : هذا لا ينفي أن يكون عند موته عليه دين ، فقد يكون الشخص كثير المال ، ولا يستلزم نفي الدين عنه .
قوله : " ولا تقل : أمير المؤمنين ؛ فإني لست اليوم أمير المؤمنين " قال ابن التين : إنما قال ذلك عندما أيقن بالموت إشارة بذلك إلى عائشة حتى لا تحابيه لكونه أمير المؤمنين .
قوله : " ولأوثرن به على نفسي " أي : أخصه بما سأله من الدفن عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وأترك نفسي ، قيل : فيه دليل على أنها كانت تملك البيت ، ورد بأنها كانت تملك السكن إلى أن توفيت ، ولا يلزم منه التملك بطريق الإرث ؛ لأن أمهات المؤمنين محبوسات بعد وفاته صلى الله تعالى عليه وسلم لا يتزوجن إلى أن يمتن فهن كالمعتدات في ذلك ، وكان الناس يصلون الجمعة في حجر أزواجه ، وروي عن عائشة في حديث لا يثبت أنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم إن عاشت بعده أن تدفن إلى جانبه ، فقال لها : وأنى لك بذلك ، وليس في ذلك الموضع إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر ، وعيسى بن مريم .
قوله : " ارفعوني " أي : من الأرض كأنه كان مضطجعا فأمرهم أن يقعدوه .
قوله : " فأسنده رجل إليه " أي : أسند عمر رجل إليه ، قيل : يحتمل أن يكون هذا ابن عباس .
قلت : إن كان مستند هذا القائل في الاحتمال المذكور كون ابن عباس في القضية فلغيره أن يقول : يحتمل أن يكون عمرو بن ميمون لقوله فيما مضى : فانطلقنا معه .
قوله : " أذنت " أي : عائشة .
قوله : " فقل : يستأذن " هذا الاستئذان بعد الإذن في الاستئذان الأول لاحتمال أن يكون الإذن في الاستئذان الأول في حياته حياء منه ، وأن ترجع عن ذلك بعد موته ، فأراد عمر أن لا يكرهها في ذلك .
قوله : " حفصة " هي بنت عمر بن الخطاب .
قوله : " فولجت عليه " أي : دخلت على عمر رضي الله تعالى عنه فبكت من البكاء . هذه رواية الكشميهني ، ورواية غيره : فلبثت أي فمكثت .
قوله : " فولجت داخلا لهم " أي : فدخلت حفصة داخلا لهم على وزن فاعل أي : مدخلا كان لأهلها .
قوله : " من الداخل " أي : من الشخص الداخل .
قوله : " وسعدا " هو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه .
فإن قلت : سعيد وأبو عبيدة أيضا من العشرة المبشرة ، وتوفي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو عنهما راض .
قلت : أما سعيد فهو ابن عم عمر رضي الله تعالى عنه ، فلعله لم يذكره لذلك أو لأنه لم يره أهلا لها بسبب من الأسباب ، وأما عبيدة فمات قبل ذلك .
قوله : " يشهدكم عبد الله بن عمر " أي : يحضركم ، ولكن ليس له من الأمر شيء ، وإنما قال هذا مع أهليته ؛ لأنه رأى غيره أولى منه .
قوله : " كهيئة التعزية " قال الكرماني : هذا من كلام الراوي لا من كلام عمر رضي الله تعالى عنه ، وقال بعضهم : فلم أعرف من أين تهيأ له الجزم بذلك مع الاحتمال .
قلت : لم يبين وجه الاحتمال ما هو ، ولا ثمة في كلامه ما يدل على الجزم .
قوله : " فإن أصابت الإمرة " بكسر الهمزة ، وفي رواية الكشميهني : الإمارة .
قوله : " سعدا " هو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه .
قوله : " فهو ذاك " يعني هو محله وأهل له .
قوله : " وإلا " أي : وإن لم تصب الإمرة سعدا .
قوله : " فليستعن به " أي : بسعد .
قوله : " أيكم " فاعل فليستعن .
قوله : " ما أمر " أي : ما دام أميرا ، وأمر على صيغة المجهول من التأمير .
قوله : " فإني لم أعزله " أي : لم أعزل سعدا ، يعني عن الكوفة عن عجز أي : عن التصرف ، ولا عن خيانة في المال .
قوله : " وقال " أي : عمر : " أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين " قال الشعبي : هم من أدرك بيعة الرضوان ، وقال سعيد بن المسيب : من صلى القبلتين .
قوله : " أن يعرف " بفتح الهمزة أي : بأن يعرف .
قوله : " ويحفظ " بالنصب عطفا على [16/213] " أن يعرف " .
قوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ أي : سكنوا المدينة قبل الهجرة ، وقال المفسرون : المراد بالدار دار الهجرة نزلها الأنصار قبل المهاجرين ، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بسنتين .
قوله : وَالإِيمَانَ فيه إضمار أي : وآثروا الإيمان من باب : علفتها تبنا وماء باردا ؛ لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيه ، والتبوء التمكن ، والاستقرار ، وليس المراد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين بل قبل مجيء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إليهم .
قوله : " ردء الإسلام " بكسر الراء أي : عون الإسلام الذي يدفع عنه .
قوله : " وجباة الأموال " بضم الجيم وتخفيف الباء ، جمع جابي كالقضاة جمع قاضي ، وهم الذين كانوا يجبون الأموال أي : يجمعونها .
قوله : " وغيظ العدو " أي : يغيظون العدو بكثرتهم وقوتهم .
قوله : " إلا فضلهم " أي : إلا ما فضل عنهم ، وفي رواية الكشميهني : ويؤخذ منهم ، والأول هو الصواب .
قوله : " من حواشي أموالهم " أي التي ليست بخيار ولا كرام .
قوله : " بذمة الله " المراد به أهل الذمة .
قوله : " وأن يقاتل من ورائهم " يعني إذا قصدهم عدو لهم يقاتلون لدفعهم عنهم ، وقد استوفى عمر رضي الله تعالى عنه في وصيته جميع الطوائف ؛ لأن الناس إما مسلم ، وإما كافر ، فالكافر إما حربي ولا يوصى به ، وإما ذمي وقد ذكره ، والمسلم إما مهاجري أو أنصاري أو غيرهما ، وكلهم إما بدوي ، وإما حضري ، وقد بين الجميع .
قوله : " ولا يكلفوهم إلا طاقتهم " أي : من الجزية .
قوله : " فانطلقنا " وفي رواية الكشميهني : فانقلبنا أي : رجعنا .
قوله : " فسلم عبد الله بن عمر " أي : على عائشة رضي الله تعالى عنها .
قوله : " فقالت " أي : عائشة .
قوله : " أدخلوه " بفتح الهمزة من الإدخال .
قوله : " فأدخل " على صيغة المجهول ، وكذلك فوضع .
قوله : " هناك " أي : في بيت عائشة عند قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وهو معنى قوله : " مع صاحبيه " واختلف في صفة القبور الثلاثة المكرمة ، فالأكثرون على أن قبر أبي بكر ، وراء قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر وراء قبر أبي بكر .
وقيل : إن قبره صلى الله تعالى عليه وسلم مقدم إلى القبلة ، وقبر أبي بكر حذاء منكبه ، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر . وقيل : قبر أبي بكر عند رأس النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر عند رجليه . وقيل : قبر أبي بكر عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر عند رجل أبي بكر ، وقيل غير ذلك .
قوله : " إلى ثلاثة منكم " أي : في الاختيار ليقل الاختلاف .
قوله : " قال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان " ، هذا يصرح بأن طلحة قد كان حاضرا .
فإن قلت : قد تقدم أنه كان غائبا عند وصية عمر .
قلت : لعله حضر بعد أن مات ، وقبل أن يستمر أمر الشورى ، وهذا أصح مما رواه المدايني أنه لم يحضر إلا بعد أن بويع عثمان .
قوله : " والله عليه والإسلام " بالرفع فيهما ؛ لأن لفظة " الله " مبتدأ ، وقوله : " عليه " خبره ، ومتعلقه محذوف ، أي والله رقيب عليه ، والإسلام عطف عليه ، والمعنى : والإسلام كذلك .
قوله : " لينظرن " بلفظ الأمر للغائب .
قوله : " أفضلهم في نفسه " بنصب اللام أي : ليتفكر كل واحد منهما في نفسه أيهما أفضل ، ويروى بفتح اللام جوابا للقسم المقدر .
قوله : " فأسكت الشيخان " بفتح الهمزة بمعنى سكت ، ويروى بضم الهمزة على صيغة المجهول ، والمراد بالشيخين علي وعثمان .
قوله : " أفتجعلونه " أي : أمر الولاية .
قوله : " والله " بالرفع على أنه مبتدأ وخبره هو قوله : " علي " الله رقيب أي : شاهد علي .
قوله : " أن لا آلو " أي : بأن لا آلو بأن لا أقصر عن أفضلكم .
قوله : " فأخذ بيد أحدهما " هو علي رضي الله تعالى عنه ، يدل عليه بقية الكلام .
قوله : " والقدم " بكسر القاف وفتحها .
قوله : " ما قد علمت " صفة أو بدل عن القدم .
قوله : " فالله عليك " أي : فالله رقيب عليك .
قوله : " لئن أمرتك " بتشديد الميم .
قوله : " وإن أمرت " بتشديد الميم .
قوله : " ثم خلا بالآخر " وهو الزبير رضي الله عنه أيضا .
قوله : " وولج أهل الدار " أي : ودخل أهل المدينة .
وفي هذا الحديث فوائد :
فيه شفقة عمر رضي الله تعالى عنه على المسلمين ، وعلى أهل الذمة أيضا .
وفيه : اهتمامه بأمور الدين بأكثر من اهتمامه بأمر نفسه .
وفيه : الوصية بأداء الدين .
وفيه : الاعتناء بالدفن عند أهل الخير .
وفيه : المشورة في نصب الإمام ، وأن الإمامة تنعقد بالبيعة .
وفيه : جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل منه ، قاله ابن بطال ثم علله بقوله : لأنه لو لم يجز لهم لم يجعل عمر رضي الله تعالى عنه الأمر شورى بين ستة أنفس مع علمه بأن بعضهم أفضل من بعض .
وفيه : الملازمة بالأمر بالمعروف على كل حال .
وفيه : إقامة السنة في تسوية الصفوف .
وفيه : الاحتراز من تثقيل الخراج والجزية وترك ما لا يطاق .