[2/32] 3 - باب
التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة
وبه قال عطاء .
وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله : تيمم .
وأقبل ابن عمر من أرضه بالجرف ، فحضرت العصر بمربد النعم ، فصلى ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة ، فلم يعد .


هذه الآثار الثلاثة التي علقها البخاري تشتمل على ثلاث مسائل :
المسألة الأولى :
أن من عدم الماء في الحضر فله أن يتيمم ويصلي ، وقد حكاه عن عطاء ، وهو قول جمهور العلماء .
وقد سبقت الإشارة إلى الاختلاف في هذه المسألة ، وأن السفر هل هو شرط لجواز التيمم أم كان ذكره في القرآن لأن السفر مظنة عدم الماء غالبا ؟ والأكثرون على الثاني ، فلو لم يجد الماء في الحضر تيمم وصلى .
واختلفوا : هل يعيد إذا وجد الماء أم لا ؟ فقال الليث وأبو حنيفة والشافعي : يعيد ، وهو وجه لأصحابنا .
ومنهم من فرق بين أن تقصر مدة عدم الماء في الحضر فيعيد ، وبين أن تطول فلا يعيد ، والصحيح من المذهب : أنه لا يعيد ، وهو قول مالك والثوري وإسحاق والمزني وغيرهم .
وذهبت طائفة إلى أنه لا يصلي حتى يجد الماء أو يسافر ، وهو رواية عن [2/33] أبي حنيفة ، ورواية عن أحمد اختارها الخلال والخرقي ، وحكي عن زفر وداود .
ومن أصحابنا من قال : إن كان يرجو حصول الماء قريبا لم يصل حتى يجده ، وإن فات الوقت .
المسألة الثانية :
أن المريض إذا كان يجد الماء ، ولكن ليس عنده من يناوله إياه ، فإنه يتيمم ويصلي ، حكاه عن الحسن ، وهو - أيضا - قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وأكثر العلماء .
وعن الشافعي : يعيد ، وحكي رواية عن أحمد ، وظاهر كلامه أنه لا يعيد ، وهو المشهور عند أصحابنا .
ولأصحابنا وجه : أنه إن رجا أن يجد من يناوله الماء بعد الوقت قريبا لم يصل بالتيمم ، وأخر حتى يجيء من يناوله .
والصحيح : الأول ، وأنه يصلي بالتيمم في الوقت ، ولا يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء بعده ، كما لا يؤخر المسافر الصلاة إذا رجا الوصول إلى الماء بعد الوقت عقيبه .
وخرج ابن أبي حاتم من رواية قيس ، عن خصيف ، عن مجاهد ، في قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى قَالَ : نزلت في رجل من الأنصار ، كان مريضا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ، ولم يكن له خادم فيناوله ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . [2/34] المسألة الثالثة :
أنه يجوز التيمم بقرب المصر إذا لم يجد الماء ، وإن كان يصل إلى المصر في الوقت ، هذا هو المروي عن ابن عمر رضي الله عنه وقد احتج به الإمام أحمد ، وقال : كان ابن عمر يتيمم قبل أن يدخل المدينة ، وهو يرى بيوت المدينة .
وهذا الأثر مشهور عن ابن عمر من رواية نافع عنه ، وقد رفعه بعضهم ، خرجه الدارقطني والبيهقي مرفوعا . قال البيهقي : وهو غير محفوظ
.
ولفظ المرفوع : أن ابن عمر قَالَ : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم تيمم بموضع يقال له : مربد النعم ، وهو يرى بيوت المدينة .
وخرج الأثرم من طريق أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه أقبل من أرضه التي بالجرف ، حتى إذا كان بمربد النعم حضرت الصلاة صلاة العصر ، فتيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة .
وقد روى الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أن ابن عمر أقبل من الجرف حتى كان بالمربد تيمم وصلى العصر ، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصَّلاة .
" الجرف " - بضم الجيم والراء - : موضع بينه وبين المدينة ثلاثة أميال .
و" المربد " : مكان بقرب المدينة .
ورواه سفيان الثوري ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، أنه تيمم على رأس ميل أو ميلين من المدينة ، فصلى العصر ، ثم قدم والشمس مرتفعة ، فلم يعد .
[2/35] خرجه حرب الكرماني .
ورواه - أيضا - مالك ، عن نافع ، قَالَ : أقبلت مع ابن عمر من الجرف حتى إذا بلغ المربد تيمم ، ثم صلى .
ورواه العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه تيمم وصلى ثم دخل المدينة في وقت ، فلم يعد .
ورواه أبو معشر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قَالَ : أقبلنا من الغابة ، حتى إذا كنا بمربد النعم جاءت الصلاة ، فتيمم ، وصلى العصر ، ثم دخل المدينة .
وهذا المروي عن ابن عمر يؤخذ منه عدة مسائل :
منها : أنه تجوز الصلاة بالتيمم في أول الوقت للمسافر ، وإن علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت ، وهذا قول أكثر العلماء ، ومنهم من حكاه إجماعا ، واستدل أحمد لذلك بحديث ابن عمر هذا . وحكي عن الشافعي قول : إنه لا يجوز .
ومنها : أن المسافر سفرا قصيرا له أن يتيمم فيه كالسفر الطويل ، وهو قول جمهور العلماء - أيضا - وحكي فيه خلاف شاذ في مذهب الشافعي ، ومن أصحابه من لم يثبته عنه ، وقال : إنما حكاه الشافعي عن غيره ، وهو وجه ضعيف لأصحابنا - أيضا .
وقد تقدم : أن عدم الماء في الحضر يبيح التيمم عند الأكثرين ، لكن منهم من أوجب الإعادة فيه ، فمن قال : يعيد إذا تيمم في الحضر ، وقال : لا يتيمم إلا في سفر طويل جعل حكم السفر القصير حكم الحضر في الإعادة إذا صلى فيه بالتيمم . [2/36] وحكى ابن عبد البر ، عن محمد بن مسلمة المالكي ، أنه حمل ما فعله ابن عمر على أنه خاف فوت الوقت ، وهذا يدل على أنه يرى أن الحاضر إذا كان عادما للماء لم يتيمم ، إلا أن يخاف فوت الوقت .
وسئل ابن المبارك : عن الراعي تكون الماشية منه على الميلين والثلاثة ؟ فذكر عن سعيد بن المسيب ، قَالَ : يتيمم ويصلي .
وقال أبو داود : قلت لأحمد : الرجل يخرج على الميلين والثلاثة والأكثر ، فتحضره الصلاة ، أيتيمم ؟ قَالَ : إذا خاف يتيمم . قيل له : فيعيد ؟ قال : لا .
قال حرب : قلت لإسحاق - يعني : ابن راهويه - : فرجل من المدينة على فرسخ ، وليس في سفر ، فحضرت الصلاة ، وليس له ماء ، أيتيمم ويصلي ؟ قال : نعم . قلت : يعيد ؟ قال : لا ، وأنا أرى في الحضر التيمم .
قَالَ : وسألته عن رجل في الصيد ، وليس هو في سفر ، فحضرت الصلاة ، ولم يكن معه ماء ، فتيمم وصلى ؟ قال : إن كان في معصية يعيد ، وإن كان للكسب على عياله لا يعيد .
وروى حرب بإسناده عن الزهري ، في رجل ينتجع الكلأ فلا يجد الماء ؟ قال : لا نرى أن يقيم بالأرض ليس فيها ماء . قال الوليد بن مسلم ذكرته لبعض المشيخة ، فقال : سمعت أن معاذ بن جبل ذكر ذلك له ، فقال : لو لم يكن لهم ذلك لم يكن لنا أن نتركهم وذلك .
والمنصوص عن أحمد في الحطاب ونحوه : لا يرخص لهم في ترك حمل ماء الوضوء ، وأنه إذا لم يكن معهم ماء فلا يتيممون ، وحمله القاضي على أن السفر القصير لا تيمم فيه .
[2/37] وأجاز طائفة من أصحابنا لمن عدم الماء في الحضر في التيمم في آخر الوقت ، وأنهم لا يكلفون طلب الماء مع فوت الوقت مع بعد الماء في الحضر ، وأوجب القاضي في " خلافه " طلب الماء على الحاضر ، وإن أدركه بعد الوقت .
وقال صاحب " المغني " : من فارق موضع الماء إلى مكان قريب لحرث ونحوه ، فحضرت الصلاة ، ولا ماء معه ، وإن رجع إليه فاته غرضه ؛ فإنه يتيمم ويصلي ، ولا إعادة عليه ، إلا أن يكون مكان الماء ومكان الحاجة من عمل واحد ، ففي الإعادة وجهان .
وقد سبق ذكر هذه المسألة في " باب : التماس الماء إذا حانت الصَّلاة " في " كتاب : الوضوء " .
ومنها : أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت فإنه لا إعادة عليه ، هذا قول جمهور العلماء ، وحكي عن طائفة من السلف وجوب الإعادة .
ولو وجده بعد الوقت ، فأجمعوا على أن لا إعادة عليه - : حكاه ابن المنذر وغيره .
وفي " المسند " و" سنن أبي داود " والنسائي من رواية عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، قَالَ : خرج رجلان في سفر ، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء ، فتيمما صعيدًا طيبًا وصليا ، ثم وجدا الماء في الوقت ، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرا ذلك له ، فقال للذي لم يعد : " أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك " ، وقال للذي توضأ وأعاد : " لك الأجر مرتين " .
[2/38] وقال أبو داود : ذكر أبي سعيد في إسناده وهم ليس بمحفوظ ، بل هو مرسل .

واستحب الأوزاعي الإعادة بالوضوء في الوقت من غير إيجاب .
ونقله حرب ، عن أحمد .
وقال القاضي أبو يعلى : يجوز ولا يستحب ، وذكر أنه ظاهر كلام أحمد ؛ فإنه قَالَ في رواية صالح : إن أعاد لم يضره .
وقال الخلال : العمل من قول أبي عبد الله على أنه لا يعيد .
وقال الحسن : إن شاء أعاد ، وإن شاء لم يعد .
وصرح أصحاب الشافعي بأن الإعادة غير مستحبة .
وهذا الحديث قد يستدل به على استحباب الإعادة ؛ لقوله : لك الأجر مرتين . وقد يقال : إصابة السنة أفضل من ذَلكَ .
وقد ذكرنا في " كتاب : العلم " في شرح حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين أنه ليس كل من له أجره مرتين يكون أفضل من غيره .
ومنها : أنه لا يجب طلب الماء لمن عدمه في غير موضعه الذي هو فيه ، وقد أخذ بذلك إسحاق ، واستنبطه من فعل ابن عمر هذا .