324 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم
"


مطابقته للترجمة من حيث إن كلا من لبيد وأمية شاعر جاهلي ، أما لبيد فهو ابن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب [16/294] ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الجعفري العامري ، شاعر من فحول الشعراء ، مفلق متقدم في الفصاحة ، مجيد فارس جواد حكيم ، يكنى أبا عقيل مخضرم ، أدرك الجاهلية والإسلام ، وهو عند ابن سلام من الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية ، وفد على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - سنة وفد بني جعفر فأسلم وحسن إسلامه ، وقال ابن قتيبة : قدم على رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - في وفد كلاب ، وكان شريفا في الجاهلية والإسلام ، مات بالكوفة في إمارة الوليد بن عقبة عليها في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقال مالك بن أنس : بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة ، وقيل : مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة ، وقال أكثر أهل العلم بالأخبار : لم يقل شعرا منذ أسلم .
وأما أمية فهو ابن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة ابن عوف بن عقدة بن غيرة بن ثقيف أبو عثمان ، ويقال : أبو الحكم ، قدم دمشق قبل الإسلام ، وقيل : إنه كان صالحا ، وقال الواقدي : وكان قد تنبأ في الجاهلية في أول زمانه ، وأنه كان في أول عمره على الإيمان ثم زاغ عنه ، وأنه هو الذي أراد الله بقوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا الآية ، وكان شاعرا مجيدا إلا أنه لقراءته الكتب المنزلة كان يأتي في شعره بأشياء لا تعرفها العرب ، فلذلك كانت العلماء لا تحتج بشعره ، وقال أبو الفرج : وقيل لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ أمية ابنيه وهرب بهما إلى اليمن ، ثم عاد إلى الطائف ، ومات في السنة الثانية من الهجرة .
( ذكر رجاله )
وهم خمسة : الأول : أبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، الثاني : سفيان بن عيينة ، الثالث : عبد الملك بن عمير الكوفي ، الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن ، الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره )
أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن ابن بشار ، وفي الرقاق عن محمد بن المثنى ، وأخرجه مسلم في الشعر عن محمد بن الصباح وعن جماعة آخرين ، وأخرجه الترمذي في الاستيذان عن علي بن حجر ، وفي الشمائل عن محمد بن بشار ، وأخرجه ابن ماجه في الأدب عن محمد بن الصباح .
( ذكر معناه )
قوله : " أصدق كلمة " أصدق أفعل التفضيل تدل على المبالغة في الصدق ، وفي رواية البخاري ومسلم : " أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد إلى آخره " ، وروينا هذه الرواية أيضا من طريق الترمذي ، وقد رويت هذه اللفظة بألفاظ مختلفة : " أصدق بيت قاله الشاعر " ، " وإن أصدق بيت قالته الشعراء " وكلها في ( الصحيح ) ، ومنها : " أشعر كلمة قالتها العرب " قاله ابن مالك في ( شرحه للتسهيل ) ، وكلها من وصف المعاني مبالغة بما يوصف به الأعيان كقولهم شعر شاعر خوف خائف وموت مائت ، ثم يصاغ منه أفعل باعتبار ذلك المعنى فيقال : شعرك أشعر من شعره ، وخوفي أخوف من خوفه ، قوله : " كلمة " فيه إطلاق الكلمة على الكلام ، وهو مجاز مهمل عند النحويين مستعمل عند المتكلمين ، وهو من باب تسمية الشيء باسم جزئه على سبيل التوسع ، قوله : " ألا كل شيء " كلمة ألا حرف استفتاح فتصدر بها الجملة الاسمية والفعلية ، ولفظ كل إذا أضيف إلى النكرة يقتضي عموم الإفراد ، وإذا أضيف إلى المعرفة يقتضي عموم الأجزاء ، يظهر ذلك في كل رمان مأكول ، وكل الرمان مأكول ، فالأول صحيح دون الثاني . قوله : " ما خلا الله " كلمة خلا وعدا إذا وقعا صلة لما المصدرية وجب أن يكونا فعلين لأن الحرف لا يوصل بالحرف ، فوجب أن يكونا فعلين فوجب النصب ، ولفظة الله منصوبة بقوله خلا ، وقوله : " كل شيء " مبتدأ ، وقوله " باطل " خبره ، ومعناه ذاهب من بطل الشيء يبطل بطلا وبطلا وبطولا وبطلانا ، ومعناه كل شيء سوى الله تعالى زائل فائت مضمحل ليس له دوام . ( فإن قلت ) : الطاعات والعبادات حق لا محالة ، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في الليل : " أنت الحق وقولك الحق والجنة والنار حق " ، فكيف توصف هذه الأشياء بالبطلان ( قلت ) : المراد من قوله " ما خلا الله " أي ما خلاه وخلا صفاته الذاتية والفعلية من رحمة وعذاب وغير ذلك ، وجواب آخر : الجنة والنار إنما يبقيان بإبقاء الله لهما وخلق الدوام لأهلهما ، وكل شيء سوى الله يجوز عليه الزوال لذاته وكل شيء لا يزول فبإبقاء الله تعالى ، والنصف الأخير للبيت :
وكل نعيم لا محالة زائل
وهو من قصيدة من الطويل وجملتها عشرة أبيات ، ذكرناها في ( شرح الشواهد الكبرى ) وتكلمنا بما فيه الكفاية ، قوله : " وكاد أمية بن أبي الصلت " ولفظة كاد من أفعال المقاربة وهو ما وضع لدنو الخبر رجاء أو حصولا أو أخذا فيه ، تقول : [16/295] كاد زيد يخرج ، وكاد أن يخرج ؛ أي قارب أمية الإسلام ولكنه لم يسلم ، وكان يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث ، وأدرك الإسلام ولم يسلم ، وفي ( صحيح مسلم ) عن الشريد بفتح الشين المعجمة ابن سويد قال : " ردفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فقال : هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء ؟ قلت : نعم ، قال : هيه ، فأنشدته بيتا فقال : هيه ، حتى أنشدته مائة بيت فقال : لقد كاد يسلم في شعره " ، وروى ابن منده من حديث ابن عباس أن الفارعة بنت أبي الصلت أخت أمية أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنشدته من شعر أمية قال : لقد كاد أن يسلم في شعره .