[2/78] 7 - باب
إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت
أو خاف العطش تيمم
ويذكر : أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة فتيمم ، وتلا : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف .


حديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود من رواية يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال : احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح ، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال ، وقلت : إني سمعت الله يقول : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل شيئا .
وخرجه - أيضا - من طريق عمرو بن الحارث وغيره ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عمران ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أن عمرو بن العاص كان على سرية - فذكر الحديث بنحوه ، وقال فيه : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم صلى بهم - وذكر باقيه بنحوه ، ولم يذكر التيمم .
وفي هذه الرواية زيادة : " أبي قيس " في إسناده ، وظاهرها الإرسال .
[2/79] وخرجه الإمام أحمد والحاكم ، وقال : على شرط الشيخين ، وليس كما قال ، وقال أحمد : ليس إسناده بمتصل .

وروى أبو إسحاق الفزاري في " كتاب السير " عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم عمرو بن العاص ، فلما أقبلوا سألهم عنه ، فأثنوا خيرا ، إلا أنه صلى بنا جنبا ، فسأله ، فقال : أصابتني جنابة فخشيت على نفسي من البرد ، وقد قال الله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا مرسل .
وقد ذكره أبو داود في " سننه " تعليقا مختصرا ، وذكر فيه : أنه تيمم .
وأكثر العلماء : على أن من خاف من استعمال الماء لشدة البرد فإنه يتيمم ويصلي ، جنبا كان أو محدثا .
واختلفوا : هل يعيد ، أم لا ؟
فمنهم من قال : لا إعادة عليه ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، ومالك ، والحسن بن صالح ، وأحمد في رواية .
ومنهم من قال : عليه الإعادة بكل حال سواء كان مسافرا أو حاضرا ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد .
ومنهم من قال : إن كان مسافرا لم يعد ، وإن كان حاضرا أعاد ، وهو قول آخر للشافعي ، ورواية عن أحمد ، وقول أبي يوسف ومحمد .
وحكى ابن عبد البر عن أبي يوسف وزفر : أنه لا يجوز للمريض في الحضر التيمم بحال .
[2/80] وذكر أبو بكر الخلال من أصحابنا : أنه لا يجوز التيمم في الحضر لشدة البرد ، وهو مخالف لنص أحمد وسائر أصحابه .
وحكى ابن المنذر وغيره عن الحسن وعطاء : أنه إذا وجد الماء اغتسل به وإن مات ؛ لأنه واجد للماء ، إنما أمر بالتيمم من لم يجد الماء .
ونقل أبو إسحاق الفزاري في " كتاب السير " عن سفيان نحو ذلك ، وأنه لا يتيمم لمجرد خوف البرد ، وإنما يتيمم لمرض مخوف ، أو لعدم الماء .
وينبغي أن يحمل كلام هؤلاء على ما إذا لم يخش الموت ، بل أمكنه استعمال الماء المسخن وإن حصل له به بعض ضرر . وقد روي هذا المعنى صريحا عن الحسن - أيضا - وكذلك نقل أصحاب سفيان مذهبه في تصانيفهم ، وحكوا أن سفيان ذكر أن الناس أجمعوا على ذلك .
وقد سبق الكلام في تفسير الآية ، وأن الله تعالى أذن في التيمم للمريض وللمسافر ولمن لم يجد الماء من أهل الأحداث مطلقا ، فمن لم يجد الماء فالرخصة له محققة .
وأما المرض والسفر فهما مظنتان للرخصة في التيمم ، فإن وجدت الحقيقة فيهما جاز التيمم ، فالمرض مظنة لخشية التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة لعدم الماء ، فإن وجد في المرض خشية الضرر وفي السفر عدم الماء جاز التيمم ، وإلا فلا .
وأما من قال من الظاهرية ونحوهم : إن مطلق المرض يبيح التيمم سواء تضرر باستعمال الماء أو لم يتضرر ، فقوله ساقط يخالف الإجماع قبله ، وكان يلزمه أن يبيح التيمم في السفر مطلقا سواء وجد الماء أو لم يجده .
وقول البخاري : " إذا خاف على نفسه المرض أو الموت " يشير إلى الرخصة في التيمم إذا خاف من شدة البرد على نفسه المرض ، ولا يشترط خوف الموت [2/81] خاصة ، وهذا ظاهر مذهب أحمد ، وأحد قولي الشافعي .
والقول الثاني : لا يجوز التيمم إلا إذا خاف التلف ، إما تلف النفس أو تلف عضو منه ، وحكي رواية عن أحمد ، وفي صحتها عنه نظر .
والحنيفية السمحة أوسع من ذلك ، وخوف الموت أو المرض هو داخل في معنى المرض الذي أباح الله التيمم معه ؛ لأنه إنما يباح التيمم لمرض يخشى منه زيادته أو التلف ، فحيث خشي ذلك فقد وجد السبب المبيح للتيمم .
ولو كان في الغزو وهو يجد الماء لكنه يخشى على نفسه من العدو إن اشتغل بالطهارة ، ففيه عن أحمد روايتان :
إحداهما : يتيمم ويصلي ، اختارها أبو بكر عبد العزيز .
والثانية : يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على الوضوء ، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات يوم الخندق .
ولو احتاجت المرأة إلى الوضوء وكان الماء عنده فساق تخاف منهم على نفسها ، فقال أحمد : لا يلزمها الوضوء . وتوقف مرة في ذلك .
وأما إذا خاف العطش على نفسه ، فإنه يحبس الماء ويتيمم ، وقد سبق قول علي وابن عباس في ذلك ، وحكاية أحمد له عن عدة من الصحابة . وقد ذكر ابن المنذر أنه إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم ، وسمى منهم جماعة كثيرة .
وقد سأل قوم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته .
[2/82] وسؤالهم يشعر بأن من معه ماء يسير لا يتوضأ به وهو يخشى العطش على نفسه ، وأقرهم صلى الله عليه وسلم على ذلك ، ولم يردهم عن اعتقادهم .