|
باب وفود الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، وبيعة العقبة .
أي : هذا باب في بيان وفود الأنصار : أي قدومهم إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وهو بمكة . قوله : " وبيعة العقبة " : أي التي ينسب إليها جمرة العقبة ، وهي بمنى ، كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يعرض نفسه على القبائل في كل موسم ، وأنه أتى كندة ، وبني حنيفة ، وبني كلب ، وبني عامر بن صعصعة وغيرهم فلم يجب أحد منهم إلى ما سأل ، وقال موسى بن عقبة ، عن الزهري : كان يقول لهم : " لا أكره أحدا منكم على شيء ، بل أريد أن تمنعوا من يؤذيني حتى أبلغ رسالة ربي فلا يقبله أحد ، بل يقولون : قوم الرجل أعلم به ، فبينا هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج [17/31] فدعاهم إلى الله تعالى ، فأجابوه ، فجاء في العام المقبل اثنا عشر رجلا إلى الموسم من الأنصار ، أحدهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه ، فاجتمعوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقبة ، وبايعوه ، وهي بيعة العقبة الأولى ، فجاء في العام الآخر سبعون إلى الحج ، فواعدهم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلما اجتمعوا أخرجوا من كل فرقة نقيبا ، فبايعوه ثمة ليلا ، وهي ( البيعة الثانية ) " . 372 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، وحدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عنبسة ، حدثنا يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن عبد الله بن كعب ، وكان قائد كعب حين عمي قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك بطوله ، قال ابن بكير في حديثه : ولقد شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها .
مطابقته للترجمة في قوله : " ولقد شهدت " إلى آخره ، وأخرج هذا الحديث من طريقين : الأول : عن يحيى بن بكير ، وهو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري ، عن الليث بن سعد المصري ، عن عقيل بن خالد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبد الرحمن على ما يجيء الآن . والثاني : عن أحمد بن صالح أبي جعفر المصري ، عن عنبسة بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الباء الموحدة وبالسين المهملة ابن خالد بن يزيد الأيلي ، يروي عن عمه يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب إلى آخره . ومضى الحديث في الوصايا وفي صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وسيأتي في المغازي في موضعين ، وفي التفسير كذلك ، وفي الاستئذان ، وفي الأحكام مطولا ومختصرا ، ومضى فيه بعض الكلام . قوله : " قال ابن بكير في حديثه " يريد أن اللفظ الذي سبق لعقيل لا ليونس . قوله : " ولقد شهدت " : أي قال كعب : حضرت العقبة الثانية . قوله : " حين تواثقنا " بالثاء المثلثة والقاف : أي حين وقع بيننا الميثاق على ما تبايعنا عليه . قوله : " أن لي بها " : أي بدلها ، وفي مقابلتها ، وما أحبه ؛ لأن هذه البيعة كانت في أول الإسلام ، ومنها فشا الإسلام ، وتأكدت أسبابه وأساسه . قوله : " وإن كانت بدر أذكر " كلمة إِنْ واصلة بما قبلها . قوله : " بدر " : أي غزوة بدر ، وقوله : " أذكر " أفعل التفضيل بمعنى المذكور ، يعني أكثر شهرة وذكرا بين الناس . 373 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال : كان عمرو يقول : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : شهد بي خالاي العقبة .
مطابقته للترجمة في قوله : " شهد بي خالاي العقبة " ، وعلي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، وسفيان بن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، والحديث من أفراده . قوله : " خالاي " تثنية خال ، مضاف إلى ياء المتكلم الخفيفة ، ويروى بالياء الثقيلة قاله الكرماني ، ثم قال : أي مع خالي ، قلت : لم أدر وجه ذلك على ما لا يخفى ، ويروى بالإفراد كما يجيء الآن . قوله : " العقبة " لم يفسرها أي عقبة هي الأولى أم الثانية ؟ وقال بعضهم : هي العقبة الثانية ، وقال أبو عمر بن عبد البر : هي العقبة الأولى ، كما يجيء عن قريب في ترجمة البراء ، والقول ما قالت حذام . قال أبو عبد الله ، قال ابن عيينة : أحدهما البراء بن معرور .
أبو عبد الله هو البخاري : أي قال البخاري نفسه ، قال سفيان بن عيينة راوي الحديث : أحد الخالين البراء بتخفيف الراء ، وبالمد ابن معرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى ، قال أبو عمر : المعرور هو ابن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي الخزرجي أبو بشر ، وأمه الرباب بنت النعمان ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة الأولى ، وكان سيد الأنصار وكبيرهم ، وهو أول من استقبل الكعبة للصلاة إليها ، وأول من أوصى بثلث ماله ، مات في حياة [17/32] النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبل قدومه - صلى الله تعالى عليه وسلم - المدينة بشهر في صفر ، ولما قدم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - المدينة أتى قبره في أصحابه ، وكبر عليه أربعا ، وصلى ، وفي بعض النسخ موضع قال أبو عبد الله قال عبد الله بن محمد ، وهو الجعفي أن ابن عيينة قال : أحدهما البراء بن معرور ، كذا في رواية أبي ذر وغيره ، ووقع في رواية الإسماعيلي قال سفيان : خالاه : البراء بن معرور ، وأخوه ولم يسمه ، واعترض الدمياطي قول سفيان في الحديث ، فقال : هذا وهم ؛ لأن أم جابر هي أنيسة بنت غنمة بن عدي ، وأخواها ثعلبة وعمرو هما خالا جابر ، وقد شهد العقبة الأخيرة ، وأما البراء بن معرور فليس هو من أخوال جابر انتهى . وقال بعضهم : لكنه من أقارب أمه ، وأقارب الأم يسمون أخوالا مجازا ، ( قلت ) : لا ضرورة إلى الذهاب إلى المجاز من غير داع له مع شهرة النسب فيما بينهم ؛ لأن ثعلبة وعمرا ابنا غنمة بن عدي بن سنان بن عبيد ابن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة ، وشهد ثعلبة العقبة في السبعين ، وشهد بدرا ، وهو أحد الذين كسروا آلهة بني سلمة ، قتل يوم الخندق شهيدا ، قتله هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، قال أبو عمر : وقيل قتل يوم خيبر شهيدا ، وأما عمرو أخوه فإنه شهد بيعة العقبة مع أخيه ثعلبة ، وهو أحد البكائين الذين نزلت فيهم : وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ الآية ، ومات وليس له عقب ، وقال صاحب التوضيح : قال شيخنا في شرحه : يريد والله أعلم بخالاي عبس بن عامر بن عدي بن سنان بن عبيد ، وخالد بن عدي بن سنان ، وذلك أن أمه أنيسة بنت غنمة ، وهذا أقرب من قول ابن عيينة : أحدهما البراء بن معرور ، وأخوه ؛ لأنهم كلهم شهدوا العقبة ؛ لأن البراء من بني خنساء بن سنان بن عبيد إلى آخر ما ذكره الآن انتهى . ( قلت ) : كأنه أراد بشيخه علاء الدين مغلطاي ، فإن له شرحا على البخاري ، واعترض عليه بعضهم ممن عاصرناه من أصحاب الدعاوى العريضة ، فقال : أما عبس فقد رأيناه في الصحابة ، وأما خالد بن عدي بن سنان فلم نره في الصحابة إنما كان في كتاب ابن الأثير خالد بن عدي كان ينزل الأشعر ، ( قلت ) : قال أبو عمر خالد بن عدي الجهني يعد في أهل المدينة ، وكان ينزل الأشعر ، روى عنه بشر بن سعيد ، وقال الذهبي له حديث في مسند أبي يعلى .
|