[2/86] 8 - باب
التيمم ضربة
347 - حدثنا محمد بن سلام : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري ، فقال له أبو موسى : لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا ، أما كان يتيمم ويصلي ؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ؟ فقال عبد الله : لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد . قلت : وإنما كرهتم هذا لذا ؟ قال : نعم . فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر بن الخطاب : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فأجنبت ، فلم أجد الماء ، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا " وضرب بكفه ضربة على الأرض ، ثم نفضها ، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله ، أو ظهر شماله بكفه ، ثم مسح بهما وجهه . قال عبد الله : ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار ؟
زاد يعلى ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنت مع عبد الله وأبي موسى ، فقال أبو موسى : ألم تسمع قول عمار لعمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني أنا وأنت ، فأجنبت فتمعكت بالصعيد ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه فقال : " إنما كان يكفيك هكذا " ، ومسح وجهه وكفيه واحدة ؟


محمد بن سلام ، هو : البيكندي ، وقد اختلفوا في ضبط " سلام " : هل هو بالتخفيف أو بالتشديد ؟ والتخفيف أكثر فيه وأشهر ، ولأبي محمد عبد العظيم [2/87] المنذري في ذلك جزء مفرد .
ثم ظهر لي أن التشديد فيه أصح ، فإن الذين رجحوا فيه التخفيف اعتمدوا على حكاية رويت عن محمد بن سلام ، أنه قال : أنا محمد بن سلام بتخفيف اللام ، وقد أفردت لذلك جزءا ، وذكرت فيه أن هذه الحكاية لا تصح ، وفي إسنادها متهم بالكذب .
وقد خرج مسلم هذا الحديث عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير كلهم ، عن أبي معاوية بهذا الإسناد والمتن ، إلا أن لفظه : فقال : " إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا " ، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ، ثم مسح الشمال على اليمين ، وظاهر كفيه ووجهه .
وخرجه - أيضا - من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش ، ولفظ حديثه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما كان يكفيك أن تقول هكذا " ، وضرب بيديه إلى الأرض ، فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه .
وخرج القاضي إسماعيل المالكي حديث أبي معاوية ، عن ابن نمير ، عنه ، ولفظه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ، ثم تنفضهما ، ثم تمسح يمينك على شمالك وشمالك على يمينك ، ثم تمسح وجهك " .
وخرج حديث عبد الواحد بن زياد ، عن محمد بن أبي بكر المقدمي ، عنه ، ولفظ حديثه : " إنما كان يكفيك أن تقول هكذا " ، وضرب بكفيه إلى الأرض مرة واحدة ، ثم مسح إحداهما بالأخرى ، ومسح وجهه .
وأما رواية يعلى ، عن الأعمش التي علقها البخاري ، فخرجها الإمام أحمد [2/88] في " المسند " عن يعلى - وهو : ابن عبيد الطنافسي - كذلك .
وروى الإمام أحمد - أيضا - عن عفان : ثنا عبد الواحد ، عن الأعمش بهذا الحديث ، وفيه : وضرب بكفيه إلى الأرض ، ثم مسح كفيه جميعا ، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة .
قال عفان : وأنكره يحيى بن سعيد ، فسألت حفص بن غياث ، فقال : كان الأعمش يحدثنا به عن سلمة بن كهيل ، وذكر : أبا وائل .
وقال الإمام أحمد في رواية الأثرم : إن كان ما روى أبو معاوية حقا : روى عن الأعمش ، عن شقيق القصة . فقال - أيضا - : ضربة للوجه والكفين ، وتابعه عبد الواحد .
قال أبو عبد الله - يعني : أحمد - : فهذان جميعا قد اتفقا عليه ، يقولان : ضربة للوجه والكفين .
وإنما أنكر يحيى بن سعيد هذه اللفظة ، وتوقف فيها الإمام أحمد لأن شعبة وحفص بن غياث وابن عيينة وغيرهم رووه : عن الأعمش ، ولم يذكروا الضربة الواحدة ، ولا صفة التيمم في حديثه عن شقيق ، عن أبي موسى ، كما ساق ذلك البخاري في الباب الماضي .
ثم ذكر أحمد أن أبا معاوية وعبد الواحد قد اتفقا على هذه اللفظة ، فزالت نكارة التفرد ، وقد تبين أن يعلى تابعهما - أيضا .
وقد كان الأعمش يروي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل ، عن ابن أبزى ، عن عمار على اختلاف عليه في إسناده ، وذكر فيه : صفة التيمم بضربة واحدة ، [2/89] ولكنه ذكر أنه زاد على مسح الكفين بعض الذراعين ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم في " باب : التيمم للوجه والكفين " ، وذكرنا أن سلمة بن كهيل شك في الزيادة على الكفين ، وأنه رواه عنه سفيان وشعبة والأعمش مع اختلاف عليهم في بعض الإسناد والمتن ، فربما علل ذكر الضربة الواحدة بأنه كان عند الأعمش ، عن سلمة بن كهيل ، وحمل عليه حديث أبي وائل ، كما قد يفهم ذلك من قول حفص بن غياث الذي ذكره عنه عفان ، إلا أن الأئمة اعتمدوا على رواية أبي معاوية وعبد الواحد ويعلى ، عن الأعمش ، عن شقيق وحده للضربة الواحدة ، وأبو معاوية مقدم في حديث الأعمش ، يرجع إليه فيه عند اختلاف أصحابه .
وقد رويت الضربة الواحدة عن عمار من طريق قتادة ، عن عزرة ، عن ابن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار - أيضا - وقد تقدم ذكره - أيضا . وحديث شعبة ، عن الحكم ، عن ذر ، عن ابن أبزى المتفق على تخريجه في " الصحيحين " كما تقدم يدل عليه - أيضا .
وقد اتفق الأئمة على صحة حديث عمار ، وتلقيه بالقبول .
قال إسحاق بن هانئ : سئل أحمد عن التيمم ؟ قال : ضربة واحدة للوجه والكفين ، قيل له : ليس في قلبك شيء من حديث عمار ؟ قَالَ : لا .
وفي حديث أبي معاوية الذي خرجه البخاري هاهنا شيئان أنكرا على أبي معاوية :
أحدهما : ذكره مسح الوجه بعد مسح الكفين ، فإنه قال : " ثم مسح وجهه " ، وقد اختلف في هذه اللفظة على أبي معاوية ، وليست هي في رواية مسلم كما ذكرناه .
[2/90] وكذلك خرجه النسائي عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، ولفظ حديثه : " إنما كان يكفيك أن تقول هكذا " وضرب بيديه على الأرض ضربة فمسح كفيه ، ثم نفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله ، على كفيه ووجهه .
وخرجه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن أبي معاوية ، ولفظه : " إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا " فضرب بيده على الأرض فنفضهما ، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ، ثم مسح وجهه .
فاختلف على أبي معاوية في ذكر مسح الوجه ، وعطفه : هل هو بالواو ، أو بلفظ : " ثم " ؟
وقد قال الإمام أحمد في رواية أحمد بن عَبدةَ : رواية أبي معاوية ، عن الأعمش في تقديم مسح الكفين على الوجه غلط .
والثاني : أنه ذكر أن أبا موسى هو القائل لابن مسعود : إنما كرهتم هذا لهذا ، فقال ابن مسعود : نعم . وقد صرح بهذا في رواية أبي داود ، عن الأنباري المشار إليها ، وإنما روى أصحاب الأعمش ، منهم : حفص بن غياث ، ويعلى بن عبيد ، وعبد الواحد بن زياد أن السائل هو الأعمش ، والمسئول هو شقيقٌ أبو وائل .
وقد ذكرنا فيما تقدم مسح الوجه واليدين في التيمم ، وهل الممسوح الكفان خاصة ، أم الكفان والذراعان إلى المرفقين ، أم إلى المناكب والآباط ؟
والكلام هنا في عدد الضرب الممسوح به :
فمن قَالَ : إنه يمسح الوجه والكفين ، قال أكثرهم : يمسح ذلك بضربة واحدة اتباعا لحديث عمار ، وهذا هو المروي عن علي وعمار وابن عباس ، [2/91] وعن الشعبي وعطاء ويحيى بن أبي كثير وقتادة وعكرمة ومكحول والأوزاعي ، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي خيثمة وابن أبي شيبة وداود - وهو قول عامة أهل الحديث - : قاله الخطابي وغيره .
وقال ابن المنذر : بهذا نقول ؛ للثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " التيمم ضربة للوجه والكفين " .
وحكى عن طائفة منهم أنه يمسح وجهه بضربة ، وكفيه إلى الرسغين بضربة أخرى . قال ابن المنذر : يروى هذا عن علي ، وحكاه غيره عن عطاء والنخعي والأوزاعي في رواية عنهما ، والشافعي في القديم .
ونقل حرب ، عن إسحاق : أن هذا هو المستحب ، ويجزئ ضربة واحدة . وروى حرب بإسناده ، عن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : التيمم ضربتان : ضربة للوجه ، وضربة للكفين .
وبإسناده : عن عطاء والأوزاعي مثله .
وأما من قال : إن التيمم يبلغ إلى المرفقين ، فأكثرهم قالوا : يتيمم بضربتين : ضربة للوجه ، وضربة لليدين إلى المرفقين ، هذا هو الصحيح عن ابن عمر وعن جابر بن عبد الله ، وهو قول أكثر العلماء القائلين بذلك ، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم .
واختلفوا : هل ذلك على الوجوب ، أم على الاستحباب ؟
فقالت طائفة : هو على الوجوب ، لا يجزئ دونه ، وهو قول أبي حنيفة ، والشافعي في ظاهر مذهبه ، ورواية عن مالك .
وقالت طائفة : بل هو على الاستحباب ، ويجزئ ضربتان : إحداهما للوجه [2/92] والأخرى للكفين ، وهو رواية عن مالك ، واختاره القاضي أبو يعلى من أصحابنا ، غير أن المجزئ عنده ضربة واحدة للوجه والكفين ، وحكاه بعضهم رواية عن أحمد . وأنكر الخلال والأكثرون ثبوتها عنه .
وقال الخلال : إنما أجاز ذلك أحمد لمن تأول الأحاديث بفعله ، إلا أن الأحاديث في ذلك عنه ضعاف جدا في الضربتين .
وأجاز إسحاق أن يتيمم بضربتين : ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ، إذا كان يرى الاقتصار على الكفين جائزًا ، فإن اعتقد أنه لا يجزئ فقد أخطأ .
وهذا يدل على أن الخلاف في الإجزاء عنده غير سائغ .
وقال طائفة من الخراسانيين من أصحاب الشافعي : الواجب عنده إيصال التراب إلى الوجه واليدين إلى المرفقين ، سواء حصل ذلك بضربة أو ضربتين ، ولا يجب عنده تعدد الضرب ، وخالفهم غيرهم من أصحاب الشافعي في ذلك .
وروى داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قَالَ : التيمم ضربة للوجه واليدين إلى المرفقين .
خرجه حرب الكرماني .
وروى ابن إسحاق ، عن نافع ، قال : رأيت ابن عمر يضرب بيده في الأرض ، فيمسح بها وجهه ، ثم يضرب يده فيمسح بها ذراعيه .
وعن ابن عون ، قال : قلت للحسن : أرني كيف التيمم ؟ فضرب بيديه على الأرض ، ثم نفضهما ، ثم مسح بهما وجهه ، ثم ضرب بكفيه الأرض ، ثم مسح بهما على ذراعيه .
وعن داود ، عن الشعبي ، قال : التيمم ضربة للوجه والذراعين .
[2/93] خرج ذلك كله القاضي إسماعيل المالكي .
وكذلك وصف سفيان الثوري التيمم .
وظاهر هذا يدل على أن الكفين لا يمسحان بانفرادهما ، بل يكفي ما أصابهما عند ضربهما بالأرض ، فإنه لا بد أن يتطاير الغبار على ظاهرهما وباطنهما .
وقد قال عكرمة في المتيمم : يضرب بكفيه على الأرض فيحركها ثم يمسح بوجهه وكفيه .
وهذا يرجع إلى أنه لا يجب الترتيب كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى .
وحكي عن ابن سيرين ، أنه تيمم بثلاث ضربات : ضربة للوجه ، وضربة للكفين ، وضربة للذراعين إلى المرفقين .
وحكي عن ابن أبي ليلى والحسن بن حي ، أنه يتيمم بضربتين ، يمسح بكل ضربة وجهه ويديه إلى المرفقين .
قال ابن عبد البر : ما علمت أحدًا من أهل العلم قال ذلك غيرهما .
وللشافعية وجه ضعيف ، أنه يستحب ضربة للوجه وضربتان لليدين ، لكل يد ضربة ، ولهم وجه ضعيف - أيضا - أنه يشرع تكرار المسح في التيمم كالوضوء .
وقال حرب : ثنا محمود بن خالد : ثنا الوليد بن مسلم ، قال : قلت لأبي عمرو الأوزاعي : صف التيمم ؟ فوضع كفيه على الأرض وضعا رفيقا ، ثم رفعهما ، ثم أمر إحداهما على الأخرى مسحا رفيقا ، ثم أمر بهما على وجهه ، ثم على كفيه .
قال : وثنا المسيب بن واضح : ثنا أبو إسحاق ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، قال : سألت الشعبي عن التيمم ؟ فضرب بيديه الأرض ، ثم ضرب [2/94] إحداهما بالأخرى ، ثم مسح وجهه وكفيه .
وظاهر هذا يقتضي أنه يمسح أولا إحدى كفيه بالأخرى ، ثم يمسح وجهه ، ثم يمسح كفيه .
وفي بعض ألفاظ حديث عمار المذكورة في هذا الباب ما قد يشعر بهذا القول ، ولا يبقى حينئذ إشكال في رواية أبي معاوية ، عن الأعمش ؛ لأنه يكون قد مسح كفيه مرة قبل وجهه ومرة بعده ، وهذا غريب جدا ، وعند التأمل لا يدل حديث عمار على ذلك ؛ فإن لفظ رواية البخاري أنه مسح بالضربة ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه ، وهذا إنما يدل على أنه مسح ظهر كفه ببطن الأخرى .
وفي رواية مسلم : " مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه " ، فهذه تدل على أنه مسح كفيه إحداهما بالأخرى ظاهرهما وباطنهما .
وفي رواية أبي داود والنسائي : " أنه مسح بشماله على يمينه وبيمينه على شماله " ، وهذا يدل على أنه مسح كل واحدة بالأخرى .
والمنصوص عن أحمد ، وهو مذهب الشافعي وغيره ، أنه يجب الترتيب في التيمم كما يجب في الوضوء ، فيمسح وجهه أولا ، ثم يمسح كفيه .
ومن أصحابنا المتأخرين من قال : لا يجب الترتيب في التيمم خاصة ؛ لأنهم قالوا في صفة التيمم : إنه يمسح وجهه بباطن أصابعه وظاهر كفيه براحتيه ، ويدلك كل راحة بالأخرى ويخلل الأصابع . قالوا : فيقع مسح باطن أصابعه مع مسح وجهه ، وهذا يخل بالترتيب .
وهذا الذي قالوه في صفة التيمم لم ينقل عن الإمام أحمد ، ولا قاله أحد من متقدمي أصحابه كالخرقي وأبي بكر وغيرهما .
[2/95] قال المروذي : قلت لأبي عبد الله : أرني كيف التيمم ؟ فضرب بيده باطن كفيه ، ثم مسح وجهه وكفيه بعضها على بعض ضربة واحدة . وقال : هكذا .
وهذا يدل على أنه مسح وجهه بيديه ، ثم مسح يديه إحداهما بالأخرى من غير تخصيص للوجه بمسح باطن الأصابع ، وهذا هو المتبادر إلى الفهم من الحديث المرفوع ومن كلام من قال من السلف : إن التيمم ضربة للوجه والكفين .
وما قاله المتأخرون من الأصحاب فإنما بنوه على أن التراب المستعمل لا يصح التيمم به كالماء المستعمل .
وهذا ضعيف ؛ لأن التراب المستعمل فيه لأصحابنا وجهان :
أحدهما : أنه يجوز التيمم به بخلاف الماء ؛ لأن الماء المستعمل قد رفع حدثا ، وهذا لم يرفع الحدث على ظاهر المذهب .
وعلى الوجه الثاني : أنه لا يتيمم بالتراب المستعمل ، فالمستعمل هو ما علق بالوجه أو تناثر منه ، فأما ما بقي على اليد الممسوح بها فهو بمنزلة ما يبقى في الإناء بعد الاستعمال منه ، وليس بمستعمل ، ويجوز التيمم به ، صرح به طائفة من أصحابنا والشافعية .
ونقل حرب ، عن إسحاق ، أنه وصف لهم التيمم ، فضرب بيديه ، ثم نفخهما ، فمسح بهما وجهه ، ثم ضرب بيده الثانية ولم ينفخها ، ثم مسح ظهور الكفين اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى ، ولم يذكر أنه مسح بطون كفيه اكتفاء بمرور التراب عليهما بالضرب بهما على الأرض ، وهذا في التيمم بالضربتين ظاهر ، ولا يتأتى مثله في الضربة الواحدة ؛ لأنه يخل بالترتيب .
وقد صرح العراقيون من أصحاب الشافعي : بأنه يسقط فرض الراحتين وما بين الأصابع حين يضرب اليدين على التراب ، ثم أوردوا على ذلك أنه لو سقط [2/96] فرضهما بذلك لصار التراب الذي عليهما مستعملا ، فكيف يجوز مسح الذراعين به ولا يجوز نقل الماء الذي غسل به إحدى اليدين إلى الأخرى ، إلا على وجه ضعيف لهم ؟
وأجابوا عن ذلك بوجهين :
أحدهما : أن اليدين كعضو واحد ، ولا يصير التراب والماء مستعملا إلا بانفصاله ، ولم ينفصل التراب ، بخلاف الماء فإنه ينفصل فيصير مستعملا .
والثاني : أن هذا يحتاج إليه في التيمم لضرورة ، حيث لم يمكن أن ييمم الذراع بكفها ، فافتقر إلى الكف الأخرى فصار كنقل الماء من بعض العضو إلى بعضه ، وعلى قول هؤلاء لا يجب بعد ذلك مسح إحدى الراحتين بالأخرى ، بل هو مستحب .
ومن أصحابهم من حكى في وجوبه وجهين . وقال البغوي منهم : إن قصد بإمرار الراحتين على الذراعين مسح الراحتين حصل له ؛ وإلا فلا . وهذا يدل على أنه لا يحصل بضربهما بالأرض .
ومن أعيان أصحابنا المتأخرين من حكى قولا لم يسم قائله ، ورجحه في التيمم بضربة واحدة : إنه يمسح بباطن يديه وجهه ، ثم يمسح بهما ظاهر كفيه خاصة . قال : لأن باطنهما يصيبه التراب حين يضرب بهما الأرض وحين يمسح بهما الوجه وظهر الكفين ، فلو مسح إحداهما بالأخرى لتكرر مسحهما ثلاث مرات ، وتكرار مسح التيمم غير مشروع بخلاف الوضوء ، وهو - أيضا - ينافي أن يكون التيمم بضربة واحدة .
وهذا الذي قاله فيه نظر ؛ فإن تكرار المسح بتراب ضربة واحدة لا تتعدد به الضربات كتكرار مسح الرأس بماء واحد ؛ فإنه لا يكون تكرارا ، وقد سبق ذلك في الوضوء ، وإنما لم يشرع تكرار التيمم إذا وقع الأول موقعه ، وما أصاب [2/97] باطن الكفين من التراب قبل مسح الوجه غير معتد به عند من يوجب الترتيب ، فلا يكون ذلك تكرارا - أيضا .
وقد تقدم أن حديث عمار يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بعد الضرب ظاهر كفيه وباطنهما .
وإنما يجب الترتيب في التيمم عن الحدث الأصغر . فأما الترتيب في التيمم عن الجنابة ففيه وجهان لأصحابنا وأصحاب الشافعي :
أحدهما : أنه واجب - أيضا - ؛ لأن صفة التيمم عن الجنابة والحدث لا تختلف بخلاف الغسل والوضوء ، وأيضا ؛ فإن البدن كله في غسل الجنابة كالعضو الواحد ، وفي التيمم عضوان متغايران ، فيلزم الترتيب بينهما كأعضاء الوضوء .
والثاني : لا يجب ؛ لأن التيمم عن الجنابة يلتحق بالغسل ولا ترتيب فيه ، وعلى هذا الوجه فلا إشكال في توجيه رواية أبي معاوية ، عن الأعمش التي خرجها البخاري بتقديم الكفين على الوجه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علم عمارا ما كان يكفيه من التيمم عن الجنابة .
وقد حكى بعضهم عن الأعمش : أنه كان يذهب إلى تقديم مسح الكفين على الوجه في التيمم مطلقا ، فإن صح هذا عنه دل على أن ما روى عنه أبو معاوية محفوظ عن الأعمش ، وأن أبا معاوية حَفِظَ عنه ولم يهم فيه ، كما قاله الإمام أحمد . والله أعلم .
ويحتمل أن الأعمش فسر هذا التفسير من عنده كما فسره شعبة - أيضا - من عنده كذلك بتقديم دلك اليدين على الوجه ، وقد ذكرناه فيما تقدم من طريق النسائي ، أو أن يكون ذلك من تفسير بعض الرواة عن شعبة والأعمش ؛ فإن كثيرا منهم لم يكن يفرق بين مدلول العطف بـ " ثُمَّ " وبالواو . والله تعالى أعلم .