[2/99] [2/100] [2/101] بسم الله الرحمن الرحيم
8
كتاب الصلاة
1 - باب
كيف فرضت الصلاة في الإسراء
وقال ابن عباس : حدثني أبو سفيان في حديث هرقل ، فقال : يأمرنا - يعني : النبي صلى الله عليه وسلم - بالصلاة والصدق والعفاف
.

حديث أبي سفيان هذا قد خرجه البخاري بتمامه في أول " كتابه " ، وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أهم ما يأمر به أمته الصلاة ، كما يأمرهم بالصدق والعفاف ، واشتهر ذلك حتى شاع بين الملل المخالفين له في دينه ، فإن أبا سفيان كان حين قال ذلك مشركا ، وكان هرقل نصرانيا ، ولم يزل صلى الله عليه وسلم منذ بعث يأمر بالصدق والعفاف ، ولم يزل يصلي - أيضا - قبل أن تفرض الصلاة .
وأول ما أنزل عليه سورة : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وفي آخرها : أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى إلى قوله : كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
وقد نزلت هذه الآيات بسبب قول أبي جهل : لئن رأيت محمدا ساجدا عند البيت لأطأن على عنقه .
[2/102] وقد خرج هذا الحديث مسلم في " صحيحه " . وقد ذكرنا في أول " كتاب : الوضوء " حديث أسامة ، أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر ، فعلمه الوضوء والصلاة .
وذكر ابن إسحاق : أن الصلاة افترضت عليه حينئذ ، وكان هو - صلى الله عليه وسلم - وخديجة يصليان .
والمراد : جنس الصلاة ، لا الصلوات الخمس .
والأحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة قبل الإسراء كثيرة .
لكن قد قيل : إنه كان قد فرض عليه ركعتان في أول النهار وركعتان في آخره فقط ، ثم افترضت عليه الصلوات الخمس ليلة الإسراء - : قاله مقاتل وغيره .
وقال قتادة : كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة ، وركعتين بالعشي .
وإنما أراد هؤلاء : أن ذلك كان فرضا قبل افتراض الصلوات الخمس ليلة الإسراء .
وقد زعم بعضهم : أن هذا هو مراد عائشة بقولها : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، وقالوا : إن الصلوات الخمس فرضت أول ما فرضت أربعا وثلاثا وركعتين على وجهها ، وسيأتي ذكر ذلك في الكلام على حديث عائشة - إن شاء الله .
وضعف الأكثرون ذلك ، وقالوا : إنما أرادت عائشة فرض الصلوات الخمس ركعتين ركعتين سوى المغرب ، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى .
[2/103] وقد ورد من حديث عفيف الكندي ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة حين زالت الشمس ومعه علي وخديجة ، وأن العباس قال له : ليس على هذا الدين أحد غيرهم .
وقد خرجه الإمام أحمد والنسائي في " خصائص علي " .
وقد طعن في إسناده البخاري في " تاريخه " والعقيلي وغير واحد .

وقد خرج الترمذي من حديث أنس ، قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، وصلى علي يوم الثلاثاء .
وإسناده ضعيف .
وقد خرجه الحاكم من حديث بريدة ، وصححه .

وفيه دليل على أن الصلاة شرعت من ابتداء النبوة ، لكن الصلوات الخمس لم تفرض قبل الإسراء بغير خلاف .
وروى الربيع ، عن الشافعي ، قال : سمعت ممن أثق بخبره وعلمه يذكر أن الله تعالى أنزل فرضا في الصلاة ، ثم نسخه بفرض غيره ، ثم نسخ الثاني بالفرض في الصلوات الخمس .
قال الشافعي : كأنه يعني قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ثم نسخه في السورة معه بقوله : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ الآية إلى [2/104] قوله فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فنسخ قيام الليل ، أو نصفه ، أو أقل ، أو أكثر بما تيسر .
قال الشافعي : ويقال نسخ ما وصف في المزمل بقول الله عز وجل : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ودلوك الشمس : زوالها إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ العتمة وَقُرْآنَ الْفَجْرِ الصبح وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ فأعلمه أن صلاة الليل نافلة لا فريضة ، وأن الفرائض فيما ذكر من ليل أو نهار .
قال : ويقال في قول الله عز وجل : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ الصبح وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ الظهر . انتهى .
وقد روي عن طائفة من السلف تفسير هاتين الآيتين بنحو ما قاله الشافعي ، فكل آية منهما متضمنة لذكر الصلوات الخمس ، ولكنهما نزلتا بمكة بعد الإسراء . والله أعلم .
وقد أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فرضت ليلة الإسراء ، واختلفوا في وقت الإسراء :
فقيل : كان بعد البعثة بخمسة عشر شهرا ، وهذا القول بعيد جدا .
وقيل : إنه كان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وهو أشهر .
وقيل : قبل الهجرة بسنة واحدة .
وقيل : قبلها بستة أشهر .
وقيل : كان بعد البعثة بخمس سنين ، ورجحه بعضهم ، قال : لأنه لا [2/105] خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة ، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة بمدة ، قيل : بثلاث سنين ، وقيل : بخمس ، وقد أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء .
قلت : حكايته الإجماع على صلاة خديجة معه بعد فرض الصلاة غلط محض ، ولم يقل هذا أحد ممن يعتد بقوله .
وقد خرج أبو يعلى الموصلي والطبراني من حديث إسماعيل بن مجالد ، عن أبيه ، عن الشعبي ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن خديجة ؛ فإنها ماتت قبل أن تنزل الفرائض والأحكام ؟ فقال : أبصرتها على نهر من أنهار الجنة ، في بيت من قصب ، لا لغو فيه ولا نصب " .
وروى الزبير بن بكار ، بإسناد ضعيف ، عن يونس عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة .
وقد فرق بعضهم بين الإسراء والمعراج ، فجعل المعراج إلى السماوات كما ذكره الله في سورة النجم ، وجعل الإسراء إلى بيت المقدس خاصة ، كما ذكره الله في سورة ( سُبْحانَ ) وزعم أنهما كانا في ليلتين مختلفتين ، وأن الصلوات فرضت ليلة المعراج لا ليلة الإسراء .
وهذا هو الذي ذكره محمد بن سعد في " طبقاته " عن الواقدي بأسانيد له متعددة ، وذكر أن المعراج إلى السماء كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا من المسجد الحرام ، وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس ، ونزل جبريل فصلى برسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات في مواقيتها ، [2/106] وأن الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة ، من شعب أبي طالب .
وما بوب عليه البخاري أن الصلوات فرضت في الإسراء يدل على أن الإسراء عنده والمعراج واحد . والله أعلم .
وخرج في هذا الباب حديثين :