|
باب قتل كعب بن الأشرف
أي : هذا باب في بيان كيفية قتل كعب بن الأشرف اليهودي القرظي الشاعر ؛ كان يهجو النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - والمسلمين ويظاهر عليهم الكفار ، ولما أصاب المشركين يوم بدر ما أصابهم اشتد عليه ، وكان يبكي على قتلى بدر وينشد الأشعار ، فمن ذلك ما حكاه الواقدي :
| طحنت رحى بدر مهالك أهله | | ولمثل بدر تستهل وتدمع | | قتلت سراة الناس حول حياضهم | | لا تبعدوا إن الملوك تصرع | إلى أبيات كثيرة ، فأجابه حسان بن ثابت :
| أبكاه كعب ثم عل بعبرة | | منه وعاش مجدعا لا يسمع | إلى أبيات ، وقال ابن إسحاق : كان كعب من بني نبهان وهم بطن من طَيِّئٍ ، وكان قتله في رمضان سنة ثلاث ، وقيل في ربيع الأول ، والأول أشهر . 80 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، قال عمرو : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله ؟ فقام محمد بن مسلمة فقال : يا رسول الله ، أتحب أن أقتله ؟ قال : نعم . قال : فأذن لي أن أقول شيئا ! قال : قل . فأتاه محمد بن مسلمة فقال : إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ، وإنه قد عنانا ، وإني قد أتيتك أستسلفك ! قال : وأيضا والله لتملنه ! قال : إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين . وحدثنا عمرو غير مرة فلم يذكر وسقا أو وسقين ، فقلت له : فيه وسقا أو وسقين ؟ فقال : أرى فيه وسقا أو وسقين ! فقال : نعم ، ارهنوني ! قالوا : أي شيء تريد ؟ قال : ارهنوني نساءكم ! قالوا : كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ! قال : فارهنوني أبناءكم ! قالوا : كيف نرهنك [17/132] أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين ! هذا عار علينا ، ولكنا نرهنك اللأمة - قال سفيان : يعني السلاح - فواعده أن يأتيه ، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة ، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم ، فقالت له امرأته : أين تخرج هذه الساعة ؟ فقال : إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة ! وقال غير عمرو : قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم ! قال : إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب ! قال : ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين ، قيل لسفيان : سماهم عمرو ، وقال : سمى بعضهم . قال عمرو : جاء معه برجلين . وقال غير عمرو : أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر . قال عمرو : جاء معه برجلين ، فقال : إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه ، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه . وقال مرة : ثم أشمكم ، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب ، فقال : ما رأيت كاليوم ريحا - أي أطيب . وقال غير عمرو : قال عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب . قال عمرو : فقال أتأذن لي أن أشم رأسك ؟ قال : نعم - فشمه ثم أشم أصحابه ، ثم قال : أتأذن لي ؟ قال : نعم - فلما استمكن منه قال : دونكم - فقتلوه ، ثم أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه .
فيه كيفية قتل كعب ، وهي المطابقة بين الترجمة والحديث ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، والحديث مضى مختصرا بهذا الإسناد في باب رهن السلاح . قوله " حدثنا سفيان ، قال عمرو " ، وفي رواية قتيبة عن سفيان في الجهاد " عن سفيان ، حدثنا عمرو " . قوله " من لكعب بن الأشرف " ؛ أي من يستعد لقتله ومن الذي ينتدب إليه ؟ قوله " فإنه قد آذى الله ورسوله " ، هذه كناية عن مخالفة الله تعالى ومخالفة نبيه صلى الله عليه وسلم . قوله " فقام محمد بن مسلمة " بفتح الميم واللام - ابن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس ، حليف لبني عبد الأشهل ، شهد بدرا والمشاهد كلها ، ومات بالمدينة في صفر سنة ثلاث وأربعين ، وقيل ست وأربعين ، وقيل سنة سبع وأربعين - وهو ابن سبع وسبعين سنة ، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو كان يومئذ أمير المدينة ، وكان من فضلاء الصحابة ، واستخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - على المدينة في بعض غزواته ، وقيل إنه استخلفه في غزوة قرقرة الكدر ، وقيل إنه استخلفه عام تبوك ، واعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب وجعله في سفن ، وذكر أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمره بذلك ، ولم يشهد الجمل ولا صفين وأقام بالربذة . قوله " أتحب " ، الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله " فأذن لي أن أقول شيئا " ؛ يعني مما يسر كعبا . قوله " قال : قل " ؛ أي قال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لمحمد بن مسلمة قل ، وفي رواية محمد بن إسحاق " فقال : يا رسول الله ، لا بد لنا أن نقول ! فقال : قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك " . قوله " فأتاه " ؛ أي أتى كعبا محمد بن مسلمة . قوله " إن هذا الرجل " ؛ يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله " قد سألنا " بفتح الهمزة واللام ، فعل وفاعل ومفعول ، وصدقة بالنصب مفعول ثان ، وفي رواية الواقدي " سألنا الصدقة ونحن لا نجد ما نأكل " . قوله " وإنه " ؛ أي وإن النبي صلى الله عليه وسلم " قد عنانا " بفتح العين المهملة وتشديد النون ؛ أي أتعبنا وكلفنا المشقة ، وقال الجوهري : عني بالكسر يعني عناء أي تعب ونصب ، وعنيته أنا تعنية وتعنيته أنا فتعنى . قوله " قال : وأيضا " ؛ أي قال كعب وزيادة على ذلك . قوله " لتملنه " بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد اللام والنون ، من الملالة ، ومعناه ليزيدن ملالتكم وضجركم عنه ، وفي رواية ابن إسحاق قال : كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء ؛ عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة ، وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال وجهدت الأنفس ، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا ! فقال كعب بن الأشرف : أما والله لقد أخبرتكم أن الأمر سيصير إلى هذا ! قوله " أن ندعه " أي نتركه . قوله " شأنه " ؛ أي حاله وأمره . قوله " وسق " ، الوسق وقر بعير وهو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم . قوله " أو وسقين " شك من الراوي [17/133] وفي رواية عروة " وأحب أن تسلفنا طعاما ، قال : أين طعامكم ؟ قال : أنفقناه على هذا الرجل وأصحابه ! قال : ألم يأن لكم أن تعرفوا ما أنتم عليه من الباطل ! " . قوله " وحدثنا عمرو غير مرة " ، قيل قائل هذا علي بن المديني ، وقال الكرماني : أي قال سفيان حدثنا عمرو غير مرة ، أي مرارا ، وهذا هو الظاهر . قوله " أرى فيه " ؛ أي أظن في الحديث . قوله " أرهنوني " ؛ أي ادفعوا إلي شيئا يكون رهنا على التمر الذي تريدونه . قوله " وأنت أجمل العرب " ؛ أي صورة ، والنساء يملن إلى الصور الحسان ، وفي رواية ابن سعد من مرسل عكرمة " ولأنا منك ، وأي امرأة تمنع منك لجمالك " ، وقال بعضهم : قالوا ذلك تهكما . قلت : مرسل عكرمة يرد هذا . قوله " فيسب أحدهم " بضم الياء على صيغة المجهول . قوله " اللأمة " بتشديد اللام ، وقد فسرها سفيان بأنها السلاح ، وقال غيره من أهل اللغة : اللأمة الدرع - فعلى هذا إطلاق السلاح عليها من إطلاق اسم الكل على البعض ، وفي مرسل عكرمة " ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه ! قال : نعم " . قوله " فجاءه ليلا " ؛ أي فجاء محمد بن مسلمة كعبا في الليل والحال أن معه أبو نائلة - بنون ، وبعد الألف ياء آخر الحروف ساكنة ، وقيل بالهمزة بعد الألف ، واسمه سلكان - بكسر السين المهملة وسكون اللام - ابن سلامة بن وقش بن رغبة بن زعور بن عبد الأشهل الأنصاري الأشهلي ، ويقال سلكان لقب واسمه سعد ، شهد أحدا وكان من الرماة المذكورين من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وكان شاعرا . قوله " وكان أخاه من الرضاعة " ؛ أي كان أبو نائلة أخا كعب من الرضاعة ، وذكر الواقدي أن محمد بن مسلمة أيضا كان أخاه من الرضاعة ، وزاد الحميدي في روايته " وكانوا أربعة ، سمى عمرو منهم اثنين ، والاثنان الآخران عباد بن بشر والحارث بن أوس " ، وقال ابن إسحاق : فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش - وهو أبو نائلة الأشهلي - وعباد بن بشر بن وقش الأشهلي وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة والحارث بن أوس ، فهؤلاء خمسة . قوله " وقال غير عمرو " ؛ أي قال سفيان قال غير عمرو بن دينار المذكور ، وبين الحميدي في روايته عن سفيان أن الغير الذي أبهمه سفيان في هذه القصة هو العبسي . قوله " وأنه حدثه بذلك عن عكرمة مرسلا كأنه يقطر منه الدم " كناية عن صوت طالب شر وخراب ، وقال ابن إسحاق : لما انتهى هؤلاء إلى حصن كعب هتف به أبو نائلة ، وكان حديث عهد بعرس ، فوثب في ملحفة له ، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت : إلى أين في مثل هذه الساعة ؟ فقال : إنه أبو نائلة ، لو وجدني نائما أيقظني ! فقالت : والله إني لأعرف في صوته الشر ! فقال لها كعب : لو دعي الفتى إلى طعنة لأجاب ! ثم نزل . قوله " فقال : إذا ما جاء " ؛ أي فقال محمد بن مسلمة " إذا ما جاء " كعب . قوله " فإني قائل بشعره " ؛ أي فإني جاذب بشعره ، وقد استعملت العرب لفظ القول في موضع غيره من المعاني وأطلقوه على غير الكلام واللسان ، فيقول : قال بيده أي أخذ ، وقال برجله أي مشى ، وقال بالماء على يده أي قلب ، وقال بثوبه أي رفعه ، وكل ذلك على المجاز والاتساع . قوله " ثم أشمكم " بضم الهمزة ، من الإشمام ؛ أي أمكنكم من الشم . قوله " متوشحا " نصب على الحال من الضمير الذي في " نزل " ؛ أي ملتبسا بثوبه وسلاحه . قوله " وهو ينفح منه ريح الطيب " جملة حالية ، و " ينفح " بالحاء المهملة معناه يفوح ، و " ريح الطيب " بالرفع فاعل " ينفح " . قوله " ما رأيت كاليوم ريحا " ؛ أي ما رأيت ريحا أطيب في يوم مثل هذا اليوم . قوله " قال غير عمرو " ؛ أي قال سفيان قال غير عمرو بن دينار " عندي أعطر نساء العرب " ، وفي رواية أخرى " عند أعطر سيد العرب " ، وكأن لفظ " سيد " تصحيف من " نساء " ، فإن كانت محفوظة فالمعنى أعطر نساء سيد العرب على الحذف ، أو المراد شخص أو مصاحب أعطر من سيدهم . قوله " وأكمل العرب " ، وفي رواية الأصيلي " أجمل " بالجيم بدل الكاف ، وهذا أشبه . قوله " دونكم " ؛ أي خذوه بأسيافكم . قوله " فقتلوه " ، وفي رواية عروة " وضربه محمد بن مسلمة فقتله ، وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس ، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف ، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه ثم أقبلوا سراعا حتى دخلوا المدينة " ، وفي رواية الواقدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه ، وفي رواية ابن الكلبي " فضربوه حتى برد ، وصاح عند أول ضربة ، واجتمعت اليهود فأخذوا على غير طريق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففاتوهم " ، وفي مرسل عكرمة " فأصبحت اليهود مذعورين ، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : قتل سيدنا غيلة ! فذكر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين " ، وقال ابن سعد : فخافوا ولم ينطقوا . وذكر في كتاب شرف المصطفى أن الذين قتلوا كعب بن الأشرف حملوا رأسه في مخلاة إلى [17/134] المدينة ، فقيل إنه أول رأس حمل في الإسلام ، وقيل أول رأس حمل رأس عمرو بن الحمق ، وقيل رأس أبي عزة الجمحي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين !
|
|
|