82 - حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار ، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك ، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعين عليه ، وكان في حصن له بأرض الحجاز ، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم ، فقال عبد الله لأصحابه : اجلسوا مكانكم ، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل ! فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة ، وقد دخل الناس ، فهتف به البواب : يا عبد الله ، إن كنت تريد أن تدخل فادخل ، فإني أريد أن أغلق الباب ! فدخلت فكمنت ، فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد . قال : فقمت إلى الأقاليد فأخذتها ففتحت الباب ، وكان أبو رافع يسمر عنده ، وكان في علالي له ، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه ، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل . قلت : إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله ! فانتهيت إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت ، فقلت : يا أبا رافع ! قال : من هذا ؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش ، فما أغنيت شيئا ، وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ، ثم دخلت إليه فقلت : ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟ فقال : لأمك الويل ! إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف ! قال : فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته ، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له ، فوضعت رجلي وأنا أري أني قد انتهيت إلى الأرض ، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي ، فعصبتها بعمامة ، ثم انطلقت حتى جلست على الباب ، فقلت : لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته ! فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال : أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز ! فانطلقت إلى أصحابي فقلت : النجاء ! [17/136] فقد قتل الله أبا رافع - فانتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثته ، فقال لي : ابسط رجلك . فبسطت رجلي فمسحها ، فكأنها لم أشتكها قط .

هذا طريق آخر أخرجه مطولا ، وفيه بيان قصة أبي رافع .
ويوسف بن موسى بن راشد بن بلال القطان الكوفي ، سكن بغداد ومات بها سنة اثنين وخمسين ومائتين ، وهو من أفراده . وعبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد العبسي الكوفي ، وهو أيضا شيخ البخاري ، روى عنه هنا بالواسطة . وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، يروي عن جده أبي إسحاق .
قوله " رجالا من الأنصار " ، قد سمى منهم في هذا الباب عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبا قتادة وخزاعى بن أسود ، وإن كان عبد الله بن عتبة محفوظا فكانوا ستة ، وقد ترجمنا عبد الله بن عتيك ، وأما مسعود بن سنان فهو ابن سنان بن الأسود حليف لبني غنم بن سلمة من الأنصار ، شهد أحدا ، وقتل يوم اليمامة شهيدا . وعبد الله بن أنيس - بضم الهمزة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وبالسين المهملة - ابن أسعد بن حرام بن حبيب بن غنم بن كعب بن غنم بن نفاثة بن إياس بن يربوع بن البرك بن وبرة أخي كلب بن وبرة ، فالبرك بن وبرة دخل في جهينة ، وقال أبو عمر : عبد الله بن أنيس الجهني ثم الأنصاري حليف بني سلمة ، وقيل هو من جهينة حليف للأنصار ، وقيل هو من الأنصار ، توفي سنة أربع وخمسين ، شهد أحدا وما بعدها . وأبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - اختلف في اسمه ؛ فقيل الحارث بن ربعي بن بلدهة - وقيل بلدمة - بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي ، وقيل النعمان الربعي ، وقيل النعمان بن عمرو ، وقيل عمرو بن ربعي - واختلف في شهوده بدرا ؛ فقال بعضهم كان بدريا ، ولم يذكره ابن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين ، وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد كلها ، وعن الشعبي أن عليا رضي الله تعالى عنه كبر على أبي قتادة ستا وكان بدريا ، وعنه أنه كبر عليه سبعا وكان بدريا . وقال الحسن بن عثمان : مات أبو قتادة سنة أربعين ، وشهد مع علي رضي الله تعالى عنه مشاهده كلها في خلافته ، ومات بالكوفة وهو ابن سبعين سنة . وخزاعي - بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي وبالعين المهملة - ابن أسود بن خزاعي الأسلمي حليف الأنصار ، ذكره الذهبي في تجريد الصحابة ، وقال : قيل له صحبة ، ولم يذكره أبو عمر في الصحابة ، وقيل بالقلب أسود بن خزاعي ، وقيل أسود بن حرام ، ذكره في الإكليل في حديث عبد الله بن أنيس ، وكذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي ، وذكر في دلائل البيهقي من طريق موسى بن عقبة على الشك هل هو أسود بن خزاعي أو أسود بن حرام ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة : الأسود بن خزاعي ، وقيل خزاعي بن أسود ، أحد من قتل ابن أبي الحقيق ، ذكره ابن إسحاق ، وهو أسلمي من حلفاء بني سلمة الأنصاريين . وقال الذهبي أيضا : الأسود بن أبيض استدركه أبو موسى ، قيل هو أحد من بيت ابن أبي الحقيق ، وأما عبد الله بن عتبة فبالعين المضمومة وسكون التاء المثناة من فوق . وقال أبو عمر : عبد الله بن عتبة أبو قيس الذكواني ، مدني . وقال الذهبي : قيل له صحبة . وقال ابن الأثير في جامع الأصول : إنه ابن عنبة - بكسر العين وفتح النون ، وغلطه بعضهم بأنه خولاني لا أنصاري ومتأخر الإسلام ، وهذه القصة متقدمة ، وقال الذهبي : عبد الله بن عتبة أبو عتبة الخولاني ، نزل مصر . وقال بكر بن زرعة : له صحبة ، وقد صلى القبلتين وسمع من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله " فأمر عليهم " بتشديد الميم ، من التأمير .
قوله " وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " لأنه كان ممن أعان غطفان وغيرهم من مشركي العرب بالمال الكثير على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم .
قوله " وراح الناس بسرحهم " ؛ أي رجعوا بمواشيهم التي ترعى ، والسرح بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة ، وهي السائمة من إبل وبقر وغنم .
قوله " ثم تقنع بثوبه " ؛ أي تغطى به ليخفي شخصه لئلا يعرف .
قوله " فهتف به البواب " ؛ أي ناداه ، وفي رواية " فنادى صاحب الباب " ، فإن قلت : كيف قال البواب يا عبد الله ؟ فهذا يدل على أنه عرفه ، فلو عرفه لما مكنه من الدخول ، مع أنه كان مستخفيا منه ! قلت : لم يرد به اسمه العلم ، بل الظاهر أنه أراد به المعنى الحقيقي ؛ لأن الكل عبيد الله .
قوله " فكمنت " أي اختبأت [17/137] وفي رواية يوسف " ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن " .
قوله " ثم علق الأغاليق " ، وهو بالغين المعجمة جمع غلق بفتح أوله ، وهو ما يغلق به الباب ، والمراد بها المفاتيح ، كأنه كان يغلق بها ويفتح بها - كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بالعين المهملة ، وفي التوضيح : هو جمع إغليق ، وهو المفتاح .
قوله " على وتد " ، ويروى " على ود " هو مدغم الوتد - قاله الكرماني ؛ يعني قلبت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال ، وقال : هي مسمرة على الباب ، فكيف تعلق على الوتد ؟ قلت : يراد بها الأقاليد ، والإقليد كما يفتح به يغلق أيضا به .
قوله " يسمر عنده " على صيغة المجهول من المضارع ؛ أي يتحدثون عنده بعد العشاء ، وهو من السمر وهو الاقتصاص بالليل .
قوله " في علالي " جمع علية بضم العين المهملة وكسر اللام وتشديد الياء آخر الحروف وهي الغرفة ، وفي رواية ابن إسحاق " وكان في علية له عجلة " بفتح العين المهملة والجيم ، قال بعضهم : هي سلم من الخشب . وقال ابن الأثير : العجلة من نخل ينقر الجذع ويحمل فيه شبه الدرج .
قوله " نذروا " بكسر الذال ؛ أي علموا ، وأصله من الإنذار وهو الإعلام بالشيء الذي يحذر منه ، وذكر ابن سعد أن عبد الله بن عتيك كان يرطن باليهودية ، فاستفتح ، فقالت له امرأة أبي رافع : من أنت ؟ قال : جئت أبا رافع بهدية ! ففتحت له .
قوله " فأهويت نحو الصوت " ؛ أي قصدت نحو صاحب الصوت ، وفي رواية يوسف " فعمدت نحو الصوت " .
قوله " وأنا دهش " جملة اسمية وقعت حالا ، ودهش أي تحير وهو بفتح الدال وكسر الهاء وفي آخره شين معجمة .
قوله " فما أغنيت شيئا " ، يقال ما يغني عنك أي ما يجدي عنك وما ينفعك ، حاصل المعنى : لم أقتله .
قوله " لأمك الويل " دعاء عليه ، والويل مبتدأ ولأمك مقدما خبره .
قوله " أثخنته " ؛ أي أثخنت الضربة أبا رافع ، والحال أني لم أقتله أيضا .
قوله " ظبة السيف " ، وهو حرف حد السيف ، ويجمع على ظبات وظبين ، وأما الضبيب بفتح الضاد المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى على وزن رغيف فلا أدري له معنى يصح في هذا ، وإنما هو سيلان الدم من الفم ، يقال ضبت لثته ضبيبا . وقال الخطابي : هكذا يروى ، وما أراه محفوظا . وقال عياض : روى بعضهم الصبيب بالمهملة ، قال : وأظن أنه الطرف . قلت : هو رواية أبي ذر ، وكذا ذكره الحربي ، وقال الكرماني : لو كان بالذال المعجمة مصغر ذباب السيف وهو طرفه لكان ظاهرا ، وفي رواية يوسف " فأضع السيف في بطنه ثم أَنْكَفِئُ عليه حتى أسمع صوت العظم " .
قوله " وأنا أرى " بضم الهمزة ؛ أي أظن ، وذكر ابن إسحاق في روايته أنه كان سيئ البصر .
قوله " فانكسرت ساقي فوثبت يده " ، قيل هو وهم ، والصواب رجله .
قوله " قام الناعي " بالنون والعين المهملة ، من النعي وهو خبر الموت ، والاسم الناعي .
قوله " أنعَى أبا رافع " ، كذا ثبت في الروايات بفتح العين ، قال ابن التين : هي لغة ، والمعروف أنعوا .
قوله " النجاء " بالنصب ؛ أي أسرعوا .
قوله " فكأنها " أي فكأن رجلي " لم أشتكها " ، من الشكاية .