104 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا عبد العزيز ، عن أنس رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو طلحة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مجوب عليه بحجفة له ، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع ، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا ، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول : انثرها لأبي طلحة . قال : ويشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تشرف ؛ يصيبك سهم من سهام القوم ! نحري دون نحرك . [17/151] ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ، ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا .

مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معمر - بفتح الميمين - اسمه عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري المعقد وهو شيخ مسلم أيضا ، وعبد الوارث بن سعيد ، وعبد العزيز بن صهيب ، وكل هؤلاء قد ذكروا غير مرة ، والحديث مضى في الجهاد في باب غزوة النساء وقتالهن مع الرجال ، ومضى في مناقب أبي طلحة مثل ما أخرجه هنا عن أبي معمر عن عبد الوارث إلى آخره نحوه .
قوله " وأبو طلحة " اسمه زيد بن سهل الأنصاري ، وهو زوج والدة أنس رضي الله تعالى عنهما ، وأنس حمل هذا الحديث عنه .
قوله " مجوب " بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة ، ومعناه مترس ، من الجوبة وهي الترس ، والحجفة - بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء - الترس الذي يتخذ من الجلد ويسمى بالبدرقة .
قوله " شديد النزع " بفتح النون وسكون الزاي وبالعين المهملة ؛ أي في رمي السهم ، وتقدم في الجهاد من وجه آخر بلفظ " كان أبو طلحة حسن الرمي ، وكان يتترس مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بترس واحد .
قوله " بجعبة " بفتح الجيم وسكون العين المهملة وفتح الباء الموحدة ، وهي الكنانة التي يجعل فيها السهام ، وضبطه بعضهم بضم الجيم وما أراه إلا غلطا .
قوله " فيقول : انثرها " ؛ أي فيقول النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - انثر الجعبة التي فيها النبل لأجل أبي طلحة ، وانثر بضم الهمزة أمر من نثر - بالنون والثاء المثلثة - ينثر نثرا ، من باب نصر ينصر .
قوله " ويشرف " بضم الياء ، من الإشراف وهو الاطلاع إلى الشيء ، ويروى " وتشرف " على وزن تفعل .
قوله " ينظر " جملة حالية .
قوله " لا تشرف " من الإشراف أيضا ، وفي رواية أبي الوقت " لا تشرف " بفتح التاء والشين وتشديد الراء المفتوحة ، وأصله لا تتشرف بتاءين فحذفت إحداهما .
قوله " يصيبك " بالرفع والجزم ؛ أما الجزم فلأنه جواب النهي ، وأما الرفع فعلى تقدير فهو يصيبك ، ورواية أبي ذر الجزم على الأصل .
قوله " نحري دون نحرك " ؛ أي يصيب السهم نحري ولا يصيب نحرك ، وحاصله أفديك بنفسي ، وعائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأم سليم والدة أنس بن مالك ، وفي اسمها اختلاف قد ذكرناه في الجهاد .
قوله " خدم سوقهما " بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة ، جمع خدمة وهي الخلاخيل ، والسوق بالضم جمع ساق .
قوله " تنقزان القرب " أي تحملانها وتنقزان بها وثبا ، يقال نقز وأنقز إذا وثب ، وقال ابن الأثير : وفي نصب القرب بُعْدٌ ؛ لأن ينقز غير متعد ، وأوله بعضهم بعدم الجار ، ورواه بعضهم بضم التاء من أنقز فعداه بالهمزة يريد تحريك القرب ووثوبها بشدة العدو والوثب ، وروي برفع القرب على الابتداء ، والجملة في موضع الحال ، وقيل : معناه تنقلان . وقال الداودي : هو مثل تنقلان ، والذي ذكره أهل اللغة أن النقز بالنون والقاف والزاي الوثب ، فلعلهما كانتا تنهضان بالحمل وتنقزان ، وأنكره الخطابي وقال : إنما هو تنقزان أي تحملان .
قوله " في أفواه القوم " ، قال الداودي : الأفواه جمع في ، والفم لا جمع له من لفظه . قلت : الذي ذكره أهل اللغة أن أصل الفم فوه ، فأبدل من الواو ميم ، والجمع يرد الشيء إلى أصله ، كما أن إماء أصله موه ، فلذلك قالوا في جمعه أمواه .
قوله " من يدي أبي طلحة " ، وفي رواية الأصيلي " من يد أبي طلحة " بالإفراد ، ووقوع السيف كان لأجل النعاس الذي ألقى الله عليهم أمنة منه ، ووقع في رواية أبي معمر شيخ البخاري عند مسلم " من النعاس " صرح به وهو قوله تعالى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً