الحديث الثالث :
358 - ثنا عبد الله بن يوسف : أنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أولكلكم ثوبان ؟ "
.

وقد رواه ابن عيينة والأوزاعي عن الزهري ، كما رواه مالك .
ورواه يونس وعقيل عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة .
قال أبو حاتم الرازي : كلاهما صحيح
.
ورواه الأوزاعي ، وفي روايته : قال : " ليتوشح به ، ثم ليصل فِيهِ " .
وقيل : إنه تفرد بهذه اللفظة عن الزهري .
وقوله : " أولكلكم ثوبان ؟ " إشارة إلى أن منهم من لا يجد سوى ثوب واحد ، فلو لَمْ يصل أحد فِي ثوب واحد لشق ذَلِكَ عَلَى بعض النَّاس أو كثير منهم ، والحرج مرفوع عَن هذه الأمة بقوله : مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وقوله : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
[2/148] فدلت أحاديث هذا الباب كلها على أنه يجوز أن يصلي الرجل في ثوب واحد ، يشتمل به على منكبيه ، ويخالف بين طرفيه على عاتقيه ، وهو أفضل من الاتزار به ، وعقده على قفاه ، فإنه إنما يتزر به ويعقد عند ضيقه .
هذا قول أصحابنا والشافعية وغيرهم ، وسيأتي من حديث جابر التصريح بهذا المعنى .
وكان كثير من الصحابة يصلي كذلك ويأمر به ، منهم : علي ، وجابر ، وخالد بن الوليد .
وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على خلاف ذلك ، وأن الاتزار بالثوب الواحد في الصلاة أولى من الاشتمال .
وروى وكيع ، عن فضيل بن غزوان ، عن عبد الله بن واقد قال : صليت إلى جنب ابن عمر وأنا متوشح ، فأمرني بالأزرة .
وعن عون بن صالح ، عن حيان البارقي ، قال : قال ابن عمر : لا تلبب كتلبب اليهود - يعني : في التوشح .
وفي " سنن أبي داود " من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال : أو قال عمر - : " إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما ، فإن لم يكن إلا ثوب فليتزر ، ولا يشتمل اشتمال اليهود " .
وقد سبق أنه حديث مختلف في رفعه وفي وقفه على عمر بن الخطاب ، وقد روي موقوفا على ابن عمر من قوله .
وفي رواية مرفوعة خرجها الحاكم وصححها : " إذا لم يجد أحدكم إلا [2/149] ثوبا واحدا فليشده على حقويه ، ولا يشتمل اشتمال اليهود " .
قال الأثرم في هذا الحديث : ليس كل أحد يرفعه ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه خلافه - يشير إلى الالتحاف والاتشاح بالثوب ، كما تقدم .
وإن صح حديث ابن عمر فهو محمول على ما إذا لم يرده على عطفيه ، فإن ذلك هو السدل المكروه ، وبذلك فسر السدل الإمام أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة .
وممن كره السدل في الصلاة : علي ، وابن مسعود ، قال أحمد : صح عن علي أنه كرهه ، وجعله من فعل اليهود ، واختلفوا فيه عن ابن عمر .
وفي كراهته أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال
.
وعن أحمد ، أنه لا يكره ، إلا إذا لم يكن تحته قميص .
وكان الحسن وابن سيرين يسدلان على قميصهما ، ورخص النخعي في السدل على القميص ، وكرهه على الإزار ، وحكي نحوه عن أحمد .
وفسر آخرون السدل بما ذكرنا ، وزادوا : أن يكون مسبلا تحت الكعبين ، وهذا هو المروي عن الشافعي ، وهو الذي ذكره أكثر أصحابه ، وبعض أصحابنا ، وقاله الخطابي وغيره ، وجعلوا حكمه حكم إسبال الإزار تحت الكعبين : إن كان خيلاء حرم ذلك ، وإن لم يكن خيلاء ففيه الاختلاف المشهور .
والصحيح : أن ذلك ليس بشرط في السدل ، وأن الاختلاف في كراهة السدل إذا لم يعطف أحد طرفي ثوبه على الآخر وإن لم يكن مسبلا . والله أعلم .
قال يزيد بن أبي حكيم : رأيت سفيان الثوري يصلي مرخيا رداءه في الأرض ، قد اشتمله وكشف عن بطنه وصدره ، غير أنه قد زر طرفي الثوب ، [2/150] ممسكا عليها عند موضع الأزرة ، فسألته : أسدل هذا ؟ قال : لا ، حتى يرخيه ولا يمسكه .
وكذلك روى إسحاق بن منصور ، أنه رأى أحمد يصلي سادلا ، وطرفا ثوبه بيده ، فإذا قام من الركوع خلى عنهما .