باب إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون .

أي : هذا باب في ذكر قوله تعالى " إِذْ تُصْعِدُونَ " .
قوله " إذ " نصب بقوله " ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ " أو بقوله " لِيَبْتَلِيَكُمْ أو بإضمار اذكر يا محمد " إِذْ تُصْعِدُونَ " ، وهو من الإصعاد وهو الذهاب في الأرض والإبعاد فيه ، يقال صعد في الجبل وأصعد في الأرض ، يقال أصعدنا من مكة إلى المدينة ، وقرأ الحسن " تصعدون " بفتح التاء ؛ يعني في الجبل ، قال الزمخشري : وتعضد القراءة الأولى قراءة أبي " تصعدون " في الوادي ، وقرأ أبو حيوة " تصعدون " بفتح التاء وتشديد العين من تصعد في السلم . وقال المفضل : صعد وأصعد بمعنى .
قوله " وَلا تَلْوُونَ " ؛ أي ولا تعرجون ولا تقيمون ، أي لا يلتفت بعضكم على بعض هربا ، وأصله من لي العنق في الالتفات ثم استعمل في ترك التصريح ، وقرأ الحسن " تلون " بواو واحدة ، وقال الزمخشري : وقرئ " يصعدون ، ويلوون " بالياء - يعني فيهما .
وقوله " عَلَى أَحَدٍ " ، قال الكلبي : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقراءة عائشة رضي الله تعالى عنها " على أُحد " بضم الهمزة والحاء - يعني الجبل .
قوله " وَالرَّسُولُ " الواو فيه للحال .
قوله " يَدْعُوكُمْ " ، كأنه يقول : إلي عباد الله إلي عباد الله ، أنا رسول الله ، من يكرمه فله الجنة .
قوله " فِي أُخْرَاكُمْ " ؛ أي من خلفكم ، وقال الزمخشري : في ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، وهي الجماعة المتأخرة .
قوله " فَأَثَابَكُمْ " عطف على قوله " ثُمَّ صَرَفَكُمْ " ؛ أي فجازاكم الله غما حين صرفكم عنهم وابتلاكم بسبب غم أذقتموه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعصيانكم له ، أو غما مضاعفا ، غما بعد غم متصلا بغم ، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر ، وقال ابن عباس : الغم الأول بسبب الهزيمة وحين قيل قتل محمد ، والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل - رواه ابن مردويه ، وروى ابن أبي حاتم عن قتادة نحو ذلك ، وقال السدي : الغم الأول بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح ، والثاني بإشراف العدو عليهم ، وقيل غير ذلك .
قوله " لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " ، قيل : متصل بقوله " وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ " ، " لِكَيْلا تَحْزَنُوا " على ما فاتكم من الغنيمة " وَلا مَا أَصَابَكُمْ " من القتل والجرح ؛ لأن عفوه يذهب ذلك كله ، وقيل : صلة - فيكون المعنى لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم ، والله خبير بعملكم كله .
107 - حدثني عمرو بن خالد ، حدثنا زهير ، حدثنا أبو إسحاق قال : سمعت البراء بن [17/154] عازب رضي الله عنهما قال : جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير وأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم .

مطابقته للآية ظاهرة .
وعمرو بن خالد بن فروخ الحراني الجزري سكن مصر ، روى عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي .
وقد مر الحديث في أوائل باب غزوة أحد ؛ فإنه أخرجه هناك بأتم منه عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ... إلى آخره ، وقد مر الكلام فيه هناك .